وجهٌ منحوتٌ من طمي النيل، يحمل تفاصيل شوارع مصر وحواريها، فنه يحمل صفات شعب يستعين على شقاء الدنيا بالسخرية من أوجاعه، ترى فى ملامحه وجه أبيك وجدك وجارك الطيب، يضحك فترى خفة ظل الشعب المصرى، ويبكى فترى دموع الرجال عندما يفيض بهم الكيل، هكذا هو عبقررى الفن الضاحك الباكى نجيب الريحانى الذي يمر اليوم 77 عاماً على رحيله حيث رحل عن عالمنا في 8 يونيو 1949.
لم يكن مجرد مشخصاتي يضحك الناس، بل كان فيلسوف البسطاء، وصاحب أكبر ثورة تجديد في تاريخ المسرح العربي، والملهم الذي صنع من دموعه ونضاله سيمفونية بهجة تعبر عن روح مصر.
من مدرسة "الفرير" إلى صعيد مصر
ولد نجيب إلياس ريحانة في قلب القاهرة، بحي باب الشعرية النابض بالأصالة في 21 يناير عام 1889 لأب عراقي كلداني يعمل في تجارة الخيل، وأم مصرية، وتلقى تعليمه في مدرسة "الفرير" الفرنسية، وهناك ظهرت موهبته الفنية مبكراً عبر فريق التمثيل المدرسى، حيث ظهر كشاب مثقف يعشق إلقاء الشعر العربي القديم ويذوب عشقاً في سحر خشبة المسرح.
لكن الحياة لم تفرش له الأرض وروداً، فرغم نشأته الميسورة نسبياً في البداية، إلا أن تجارة والده تدهورت، ووجد الشاب المثقف نفسه وجهاً لوجه أمام غول الفقر والاحتياج..
تخرج نجيب ليبحث عن لقمة العيش، فعمل موظفاً بسيطاً في شركة السكر بنجع حمادي في أقاصي صعيد مصر، وبرغم قساوة هذه الفترة، لكنها أصقلت مواهبه وخبراته، حيث تنقل بين القرى والنجوع، وجلس مع الفلاحين، وعاش حياة البسطاء، وكان لِتجربته أثر كبير على العديد من مسرحياته وأفلامه وشخصية كشكش بيه التى اشتهر بها وكانت بمثابة تذكرة عبور الريحاني إلى قلوب الملايين.
مسرح بريحة الطعمية والملوخية
قبل أن يظهر نجيب الريحاني على الساحة، كان المسرح والفن المصري يعتمدان بالكامل على الاقتباس من الأدب الأجنبى، والترجمة الحرفية للنصوص الأوروبية، بأسلوب لغوي مقعر لا يفهمه رجل الشارع البسيط، وبدأت الثورة الحقيقية عندما التقى الريحاني برفيق عمره وتوأمه الفني بديع خيري.
جلس الاثنان وصاغا عهداً غير مكتوب، لخصه الريحاني في عبارته الخالدة: «عايزين مسرح مصرى، مسرح ابن بلد، فيه ريحة الطعمية والملوخية، مسرح نتكلَّم عليه اللُغة اللى يفهمها الفلَّاح والعامل ورجل الشارع».
ومنذ ذلك اليوم، تحول المسرح على يد الريحانى ورفيق فنه وعمره إلى مرآة حية للواقع المصرى، فناقش قضايا الاستعمار، والجهل، والطبقية، والفساد الاجتماعي، وأصبح لسان حال المواطن المطحون، ودخل الفن المصرى مرحلة "التمصير" الفعلي التي حررته من التبعية الغربية.
انتفض لكرامة الفن في وجه الملك والسرايا
لم يكن الريحاني فناناً يهادن أو يداهن أصحاب السلطة من أجل مكسب أو إعانة، بل كان يرى الفن رسالة رفيعة تستوجب من صاحبها أن يعامل الملوك والوزراء برأس مرفوعة.
وفي الحلقة الأخيرة من مذكرات الفنانة الكبيرة ماري منيب، التي نشرتها مجلة "الكواكب" عام 1960، تروى بفيض من الحب والعرفان كيف كانت حجرة الريحاني بالمسرح ملتقى لكبار الساسة وزعماء الحركة الوطنية والوزراء، الذين كانوا يأتونه ليستطلعوا رأيه في خفايا السياسة والتيارات التي تحكم البلاد، وكان الريحاني صريحاً، لا يتردد في إبداء غضبه من الفساد الذي يستشري وراء الستار في قصور العظماء، مما دفع أصحاب النفوذ مراراً إلى محاربته بقطع الإعانات المالية التي كانت تمنح للفرق المسرحية الأخرى.
وروت موقفاً تاريخياً ثار فيه الريحاني لكرامة الفنان المصري في قلب السراي الملكية، ففي إحدى الليالي، دُعيت الفرقة لتقديم عرض في القصر بالتزامن مع وجود فرقة أجنبية، وعند العشاء لاحظ الريحاني أن مائدة الأجانب حافلة بأشهى الأطعمة بينما وُضعت أصناف أقل للفنانين المصريين، وهنا انتفض الريحاني ورفض تناول الطعام قائلاً أمام رجال القصر والخدم: «محدش يمد إيده على الأكل، إحنا جايين على اعتبار إننا أصحاب البلد، لكن للأسف شوفنا العكس ودى إهانة نحتج عليها ولا نسمح بها أبداً، والفنان يجب أن يكون حريصاً على كرامته قبل كل شيء".
وتكمل مارى منيب: «انسحبنا جميعاً دون أن نعبأ بتوسلات رجال القصر الذين سمعوا «خطبة الريحانى»، وانصرفنا نتعشى عشاء فاخراً على حساب أستاذنا الريحانى، وفى اليوم التالى جاء بعض رجال السراى وهم فى أشد حالات الانزعاج، إذ أن خبر انسحابنا قد لوحظ من الجميع، وأخذوا يعتذرون للريحانى قائلين إن هذا التصرف خطأ غير مقصود من بعض صغار رجال السرايا ، ولكن الريحانى لم يقبل الاعتذار، بل قال لهم غاضباً: "إن كانت عزومة الملك بالشكل ده يبقى طز فى الملوك كلهم"، ثم التفت اليهم قائلا: "بلغوا مولانا الكلام ده إن كنتم شاطرين وأنا مستعد أقوله فى وشه".
دموع الريحانى بسبب الشيخ رفعت
ورغم قوة الريحانى أمام رجال السياسة والقصر، وحتى الملوك ، إلا أنه كان صاحب قلب رقيق مرهف، وتجلى ذلك فى علاقته الفريدة بـصوت السماء الشيخ محمد رفعت.
فوفقاً لشهادة الحاجة هناء حسين حفيدة الشيخ رفعت، ربطت الريحاني بالشيخ صداقة قوية قائمة على الإخلاص والمحبة، وكان الريحاني يبكي تأثراً عندما يستمع إلى القرآن الكريم بصوته، بل وكان يرفض فتح ستارة مسرحه طالما أن الشيخ رفعت يقرأ في الإذاعة.
وفي فترة مرض الشيخ رفعت، كان الريحاني يصطحبه بانتظام في "الحنطور" الخاص به ليخفف عنه آلامه، وكتب عنه مقالاً يفيض بالمحبة والتقدير، بعنوان «نزهة الحنطور مع الشيخ رفعت»، مؤكداً أن صوته هو الخلود بعينه، ومشيراً إلى فضل القرآن عليه وما تعلمه منه، بعد قراءته مترجما بالفرنسية وسماعه بصوت الشيخ رفعت قائلا: ما كاد هذا الصوت ينساب إلى صدرى حتى هز كيانى وجعلنى أقدس هذه الحنجرة الغالية الخالدة، وهى ترتل أجمل المعانى وأرقها وأحلاها، صممت على لقاء الشيخ رفعت، فالتقيته أكثر من مرة وتصادقنا».
ووصف الريحانى الشيخ رفعت بالعالم الكبير، مؤكدا أن نبراته احتار فى فهمها العلماء، وأنه عندما سأل عبد الوهاب عن سر حلاوة هذا الصوت قال إنها منحة إلهية وعبقرية لن تتكرر».
ديكتاتور البهجة أدار فرقته بالحزم والدعابة
خلف هذه التلقائية والبساطة، كان نجيب الريحاني يفرض نظاماً دقيقاً وصارماً داخل فرقته المسرحية، التي ضمت عمالقة الفن،ومنهم مارى منيب وزينات صدقى وعبدالفتاح القصرى، فالعمل بالنسبة له محراب مقدس، ومواعيد البروفات خط أحمر لا يقبل النقاش أو التهاون، هذه الصرامة الممزوجة بالذكاء جعلته أشبه برادار يكشف ألاعيب الممثلين ومحاولاتهم للتزويغ والهروب من البروفات، وكان يواجه ذلك بأسلوب فكاهي يحمل دروساً لا يتنسى.
ومن أشهر الطرائف ما حدث مع أحد شباب فرقته، الذي ارتبط بموعد غرامي مع فتاة، ووجد نفسه في مأزق بسبب تعارضه مع موعد البروفة، وبمجرد وصول الريحاني تظاهر بأنه يصرخ من ألم في ضرسه، واعتذر لمغادرة المسرح والذهاب إلى طبيب أسنان شهير في منطقة محطة مصر.
تظاهر الريحاني بتصديق الشاب وقال له متهللاً: «ده دكتور هايل.. بالشفا يا ابني"
وغادر الشاب المسرح مسرعاً إلى محطة مصر ينتظر فتاته ، لكن الصدمة كانت عندما التفت ليجد نجيب الريحاني واقفاً أمامه مباشرة، وتظاهر الريحاني بالملل قائلاً إنه شعر بالضيق وترك البروفة لبديع خيري ونزل ليتمشى في الهواء الطلق، ثم أردف بخبث: «الله! إنت مروحتش للدكتور؟ تعالى أنا هروح معاك بنفسي أطمن عليك»، ولم يجد الشاب مفراً من السير مع الريحاني حتى عيادة الطبيب كى لا ينكشف أمره.
عند الدخول، قال له الريحاني بحنان مصطنع: «أنا هستناك برة»، وهناك اضطر الممثل لطلب المساعدة من الطبيب، وبسرعة الساحر خلع له الطبيب ضرسًا سليماً بالفعل.
وعندما خرج الممثل باكياً، بادره الريحاني بضحكة منتصرة، قائلاً: "علشان تبطل تكدب، أنا كنت عارف إنها خدعة، عيب، ده أنا نجيب أفهمها وهى طايرة ".
وفي موقف آخر يكشف سرعة بديهته وتعامله مع ممثلي فرقته بذكاء فكاهى، كانت الفرقة تقدم رواية قديمة، يتضمن فصلها الأول مائدة طعام ضخمة يجلس عليها الفنانون، وكان الطعام المستخدم مجرد إكسسوار من الجبس، بينما يتناولون فى الفصل الأخير "مشروباً مسموماً" وفقاً للأحداث.
وفي أحد الأيام تمرد الممثلون واشترطوا عدم صعود المسرح إلا إذا اشترى لهم الريحاني طعاماً حقيقياً وشهياً على المائدة، فوافق الريحاني على الفور وقال لهم بذكاء: "أنا موافق، وحيث إنكم عاوزين طعام حقيقى في الفصل الأول، فأنا كمان لازم أسقيكم سم حقيقي في الفصل الأخير، وتوافقوا على طلبي أوافق على طلبكم". وأمام هذه الدعابة الساخرة، ضحك الفنانون وتنازلوا عن شرطهم فوراً.
حيل ذكية للنجاة من مقصلة الرقابة
تميز الريحاني بتلقائية شديدة واعتراف شجاع بأخطائه وهفواته، وهو ما سجله بوضوح في مذكراته.، ومن الغرائب التي كشف عنها، أنه ورفيقه بديع خيري كانا في كثير من الأحيان يفتتحان الموسم المسرحي دون أن ينتهيا من كتابة الفصل الثالث والأخير من الرواية، بل يتركان كتابته وتدريب الممثلين عليه إلى ما قبل العرض بساعات قلائل، وهو ما أوقعهما في مآزق كادت تعصف بمسيرتهما لولا الحيل الشيطانية التي اتبعاها .
ففي عام 1931، افتتحت الفرقة الموسم بمسرحية تحمل اسم «أموت في كده»، في ذلك التوقيت، بدأت الحكومة تهتم بالمسرح وشكلت وزارة المعارف لجنة من العلماء والأدباء للإشراف على العروض وتحديد الإعانات المالية المستحقة لكل فرقة بناءً على جودة ما تقدمه، وكان رئيس اللجنة "إسماعيل بك شيرين" مدير إدارة المطبوعات، وكان من أشد المعجبين بالريحاني.
وحفظت الفرقة الفصلين الأول والثاني وتدربت عليهما تماماً، وكتب الريحاني وبديع خيري الفصل الثالث في اللحظات الأخيرة قبل العرض، ودون أن يتدرب عليه الممثلون، وفوجئوا بوصول لجنة المشاهدة الوزارية، وجلس أعضاؤها في الصفوف الأولى، وبدأ العرض، ومثلت الفرقة الفصل الأول والثاني ببراعة فائقة، وعلت علامات الإعجاب والاندهاش وجوه أعضاء اللجنة، و رُفعت الستار لبدء الفصل الثالث دون أن يكون لدى الممثلون فكرة عما سيقولونه، لم يجد الريحاني حلاً سوى اللجوء إلى الفنان "حسين إبراهيم"، وكان ممثلاً بارعاً يجسد دور امرأة دميمة وقبيحة الوجه في العرض، وبمجرد فتح الستار، ظهر حسين إبراهيم مرتدياً الملاية اللف والبرقع وتهادى بخطوات أنثوية كوميدية على المسرح، وقبل أن ينطق بحرف واحد، سقط على الأرض وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة!
هرع الممثلون لإنقاذه، وتقدم أعضاء اللجنة الوزارية برعب يحاولون المساعدة، وخرج بعضهم مسرعاً في الشارع يبحث عن طبيب لإنقاذ الفنان المغمى عليه. وسط هذا الصخب، أشار رئيس اللجنة إسماعيل بك شيرين إلى الريحاني بحزن قائلاً: «لا ترهقوا أنفسكم في تقديم الفصل الثالث،الرواية مجازة بالكامل تعاطفاً معكم ومع هذا الفنان المسكين»، في تلك الأثناء، كان الريحاني يجلس بجوار الممثل المغمى عليه متظاهراً بإفاقته، بينما يهمس فى أذنه: «اثبت مكانك يخرب بيتك..اللجنة وافقت خلاص».
فلسفة الخسارة وسيكولوجية "التار"
وكشف المخرجة "عطية عادل خيري"، حفيدة بديع خيري، في حوار سابق مع اليوم السابع عن جوانب إنسانية نادرة في مسيرة هذا الثنائي؛ حيث أشارت إلى أن فرقة الريحاني مرت بأزمات مالية طاحنة وخسائر مروعة لم يلتفت إليها التاريخ كثيراً. فبعض المسرحيات التي توقعا لها نجاحاً ساحقاً، واجهت صدمات جماهيرية مخيبة؛ ومنها مسرحية «السكرتير الفني» (التي اقتبساها من نص فرنسي متمصر وأضافا إليه شخصيات شعبية مثل بائع السمك والشيخ خميس، وحققت نجاحاً لدرجة أن فرقة فرنسية زارت مصر وطلبت ترجمتها لتعرضها في باريس، دون أن تدري أنها نص فرنسي في الأصل!).
لكن المفاجأة أن هذه المسرحية عندما عُرضت لأول مرة قدمها الريحاني وبديع تحت اسم «الجنيه المصري»، وصُدم الاثنان بفشلها؛ حيث وصل إيراد الليلة إلى 6 جنيهات فقط، في الوقت الذي كان إيجار المسرح اليومي يبلغ 22 جنيهاً!.
لم يستسلم الريحاني أو ينكسر، بل كان يملك فلسفة فريدة في التحدي؛ وبعد مرور 10 سنوات كاملة، التفت إلى بديع خيري وقال له بإصرار: «أنا متغاظ.. بيني وبين الجمهور تار، ولازم أعيد الرواية دي وتنجح!»، وافق بديع خيري لكنه اشترط تغيير اسمها، وسماها «السكرتير الفني»، وعندما عُرضت للمرة الثانية حققت نجاحاً كبيراً ، (وهي ذاتها المسرحية التي أعاد تقديمها تلميذه النجيب فؤاد المهندس لاحقاً لتصبح علامة في تاريخ المسرح).
وتؤكد حفيدة بديع خيري أن روح الريحاني كانت تتسع للجميع؛ فرغم المنافسة الشرسة والصراع الفني المشتعل بين قطبي الكوميديا آنذاك: علي الكسار ونجيب الريحاني، إلا أن بديع خيري كان يكتب روايات لمسرح الكسار بعلم الريحاني ودون أن يشعر الأخير بأي ضغينة أو غضب، و كانت المنافسة بينهما شريفة وبمثابة مبارزة فنية راقية تنعكس حتى في أسماء المسرحيات، فمثلاً عندما يقدم الكسار مسرحية بعنوان «راحت عليك»، يرد عليه الريحاني في الأسبوع التالي بمسرحية عنوانها "ولو"
الرثاء الساخر والنهاية الدرامية
عاش نجيب الريحاني مفلساً في كثير من فترات حياته، يواجه الأزمات المادية الطاحنة بالضحك وبشاشة الوجه، وخلال الحرب العالمية الأولى، بلغت به الضائقة حداً جعله لا يأكل إلا الطعمية في وجباته الثلاث طوال اليوم، والسبب أن بائع الطعمية في شارع عماد الدين كان الوحيد الذي يوافق على البيع بالدين "شكك" للفنانين المفلسين، وذات يوم، نظر الريحاني إلى صديق له يلتهم الطعمية وقال له متهكماً: «سندوتشات الطعمية دى أشد فتكاً بالناس من رصاص الإنجليز،وأنا أقترح إقامة تمثال ضخم في وسط شارع عماد الدين نكتب على قاعدته: قبر الزبون المجهول.. ضحية الطعمية".
وعندما اقترب الموت، لم تفارقه نبرة السخرية الممزوجة بالمرارة الإنسانية،وقبل رحيله بفترة وجيزة، توجه إليه أحد الصحفيين بسؤال غريب: «ماذا تقول في رثاء نفسك لو أتيح لك أن تكتب النعي بيدك؟»، صمت الريحاني قليلاً، ثم أملى عليه كلمات تفيض عمقاً وفلسفة وسخرية من الدنيا، حيث قال:
"مات شخصى وكان يجب أن يموت.. مات كشكش بيه بعد أن ترك تراثاً من المسرحيات الخالدة، ومات الريحاني فلم يترك إلا ثروة من التريقة والقفش.. مات من كانت حياته كلها للسهر والعربدة والتضحية من أجل الغير، مات نجيب بعد أن كان لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب، مات بعد أن شكا منه طوب الأرض، وطوب السماء إذا كان لها طوب،كان صريحاً فى زمن ساده النفاق، بحبوحاً فى زمن البخل والشح.. مات الريحاني فى ستين ألف سلامة!"
وجاءت النهاية درامية تشبه تراجيديا رواياته؛ ففي 8 يونيو من عام 1949، وأثناء تصوير فيلمه الأخير «غزل البنات»، تدهورت حالته الصحية بشكل مفاجئ إثر إصابته بمرض التيفويد، ليلفظ أنفاسه الأخيرة داخل المستشفى اليوناني بالعباسية عن عمر ناهز الستين عاماً، دون أن يكحل عينيه برؤية الفيلم في دور العرض، ودون أن يمثل المشهد الأخير، مما اضطر الفنان أنور وجدي إلى تغيير نهاية الفيلم الشهيرة لتتناسب مع الغياب المفاجئ والمدوي لأستاذ كل الأجيال.
رحل نجيب الريحاني بجسده، ورغم أن رصيده السينمائي لا يتجاوز 7 أفلام فقط، إلا أن القدر أراد إنصافه لتصبح ثلاثة من هذه الأفلام السبعة ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية،رحل "الضاحك الباكي" بعد أن علمنا أن الضحكة الحقيقية هي تلك التي تولد من رحم المعاناة، ولتبقى سيرته ومدرسته نهراً ينهل منه مئات المبدعين، وتظل ضحكته تتردد في أرجاء مصر، مخلداً اسمه كأحد أهم رواد الفن والمسرح، ومقدماً نموذجاً استثنائياً للفنان الملتزم بقضايا وطنه، الحريص على كرامته كرامة زملائه.