عكست التوترات التى يشهدها العالم فى الوقت الحالى بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء بسبب حرب إيران والتوترات فى منطقة الشرق الأوسط، وجود فجوة فى أسعار الغذاء فى أوروبا.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة 20 مينوتوس الإسبانية فإن أوروبا تشهد تفاوتًا كبيرًا في أسعار المواد الغذائية بين دولها المختلفة، في مشهد يعكس الفجوة الاقتصادية الواسعة داخل القارة، رغم كونها سوقًا موحدة إلى حد كبير. وتشير بيانات حديثة إلى أن تكلفة سلة الغذاء الأساسية تختلف بشكل ملحوظ من دولة إلى أخرى، حيث تتصدر بعض الدول قائمة الأغلى عالميًا داخل أوروبا، بينما تبقى دول أخرى عند مستويات منخفضة نسبيًا.
في مقدمة الدول الأعلى تكلفة تأتي سويسرا، التي تُعد الأغلى في أوروبا من حيث أسعار الغذاء، حيث تصل تكلفة السلة الغذائية فيها إلى ما يقارب 61% أعلى من متوسط الاتحاد الأوروبي. ويعكس هذا الارتفاع مستويات المعيشة المرتفعة، إضافة إلى ارتفاع الأجور وتكاليف الإنتاج والخدمات داخل الدولة.
وتليها دول شمال أوروبا مثل النرويج وآيسلندا والدنمارك، التي تُصنف ضمن الدول الأعلى من حيث أسعار الغذاء أيضًا. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع الضرائب، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، إضافة إلى اعتماد كبير على الاستيراد في بعض السلع الغذائية، ما يرفع من تكلفة وصول المنتجات إلى المستهلك النهائي.
أما داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، فتأتي دول مثل لوكسمبورج ضمن الفئة المرتفعة أيضًا، في حين تسجل دول أوروبا الغربية عمومًا أسعارًا أعلى مقارنة بدول الجنوب والشرق الأوروبي، في المقابل، تُعد رومانيا وبلغاريا وبولندا من بين الدول الأرخص من حيث أسعار المواد الغذائية، حيث تنخفض تكاليف السلة الغذائية بشكل واضح مقارنة بمتوسط الاتحاد الأوروبي.
هذا التفاوت الكبير يعكس ليس فقط اختلاف مستويات الدخل، بل أيضًا اختلاف البنية الاقتصادية بين الدول الأوروبية. فالدول ذات الاقتصاد القوي والمرتفع الدخل عادة ما تشهد أسعارًا أعلى، بينما الدول ذات الدخل المنخفض أو المتوسط تحافظ على أسعار أقل نسبيًا.
ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن أحد أهم أسباب هذا التفاوت هو اختلاف الضرائب المفروضة على السلع الغذائية، حيث تفرض بعض الدول ضرائب مرتفعة على الاستهلاك، بينما تعتمد دول أخرى على سياسات دعم أو تخفيف الضرائب على المواد الأساسية. كما تلعب تكاليف الإنتاج المحلي دورًا مهمًا، فالدول التي تعتمد بشكل أكبر على الإنتاج المحلي قد تتمكن من تقليل الأسعار مقارنة بالدول التي تعتمد على الاستيراد.
إلى جانب ذلك، تلعب تكاليف الطاقة والنقل دورًا رئيسيًا في تحديد الأسعار، خصوصًا في الدول التي تعتمد على استيراد جزء كبير من غذائها عبر مسافات طويلة أو عبر سلاسل إمداد معقدة. كما أن التغيرات في أسعار الوقود تؤثر بشكل مباشر على تكلفة توزيع المواد الغذائية داخل الأسواق الأوروبية.
كما لا يمكن إغفال دور نمط الاستهلاك في كل دولة، حيث تميل بعض الأسواق إلى الاعتماد على المنتجات العضوية أو العلامات التجارية المرتفعة السعر، ما يرفع متوسط تكلفة السلة الغذائية مقارنة بدول أخرى تعتمد على منتجات أقل تكلفة.
وتنعكس هذه الفجوة بشكل مباشر على حياة المواطنين داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يشعر المستهلكون في الدول الأعلى تكلفة بضغط أكبر على ميزانياتهم الشهرية، خاصة في ظل الارتفاع العام في أسعار الغذاء والطاقة خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل، قد يتمتع المواطنون في الدول الأرخص نسبيًا بقدرة شرائية أفضل فيما يتعلق بالمواد الغذائية الأساسية.
كما أن هذا التفاوت يثير نقاشًا مستمرًا داخل الاتحاد الأوروبي حول العدالة الاقتصادية، خاصة أن السوق الموحدة تهدف نظريًا إلى تقليل الفوارق، لكن الواقع يظهر استمرار اختلافات كبيرة في الأسعار بين الدول الأعضاء.
ويرى محللون أن هذه الفجوة قد تستمر في المستقبل، ما لم يتم اتخاذ إجراءات أوسع لتوحيد بعض السياسات الضريبية وتنظيم الأسواق بشكل أكثر تكاملًا. لكن في المقابل، يشير آخرون إلى أن طبيعة الاقتصادات الوطنية المختلفة داخل أوروبا تجعل من الصعب تحقيق مساواة كاملة في الأسعار.
وفي المحصلة، تعكس أسعار الغذاء في أوروبا صورة معقدة من التباين الاقتصادي والاجتماعي، حيث لا يزال المستهلك الأوروبي يعيش واقعًا مختلفًا تمامًا حسب الدولة التي يقيم فيها، رغم الانتماء إلى سوق واحدة. ومع استمرار الضغوط التضخمية عالميًا، من المتوقع أن تبقى قضية أسعار الغذاء واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية في القارة خلال المرحلة المقبلة.