بينما يحذر العلماء من تسارع ذوبان الأنهار الجليدية كنتيجة مباشرة لتغير المناخ، يفتح الذوبان نفسه نافذة فريدة على الماضي البعيد. ففي النرويج وكندا وجبال الألب وسيبيريا والولايات المتحدة، تخرج إلى النور قطع أثرية ورفات عضوية ظلت محفوظة تحت الجليد لآلاف السنين، في سباق مع الزمن لإنقاذها قبل أن تتحلل وتختفي إلى الأبد.
النرويج: كنوز الجليد الأثرية
في النرويج، قادت مبادرة "أسرار الجليد" (Secrets of the Ice) التي أطلقها مجلس مقاطعة إنلانديت ومتحف التاريخ الثقافي في أوسلو، إلى اكتشاف آلاف القطع الأثرية الفريدة . من أبرز هذه الاكتشافات زوج من الزلاجات الخشبية يعود تاريخه إلى 1300 عام، عُثر عليهما في منطقة ديجيرفاردن الجبلية بفارق سبع سنوات، ويوصف بأنه أفضل زوج من الزلاجات ما قبل التاريخ المحفوظة في العالم.
ويقول لارس هولجر بيلو، عالم الآثار الجليدية والمدير المشارك للمبادرة، إن هذه الزلاجات "تمثل اكتشافًا رائدًا لسببين: أولاً، تثبت أن البشر استخدموا الجبال العالية للصيد والنقل خلال فصل الشتاء رغم المخاطر الكبيرة. ثانيًا، إن حالة الحفظ المذهلة لهذه الزلاجات، بما في ذلك أربطة التثبيت، تسمح لنا بصنع نسخ طبق الأصل وتجربة كيفية تزلج البشر في العصر الحديدي".
ألف قطعة أثرية
كما عُثر في ممر جبلي عند حقل لندبرين الجليدي على أكثر من ألف قطعة أثرية تعود للفترة بين 200 و1500 ميلادية، وتشمل ملابس وأدوات وبقايا زلاجات وعظام خيول وكلاب، مما يكشف عن طرق التجارة القديمة في المنطقة.
جبال الألب: أوتزي وكبسولات الزمن الجليدية
ربما يكون أوتزي، "رجل الجليد"، أشهر الاكتشافات الأثرية القادمة من الجليد. عُثر عليه في ممر تيزن يوخ بين إيطاليا والنمسا عام 1991، وتبين بعد التأريخ بالكربون المشع أنه يعود إلى 5300 عام . إلى جانب جثمانه المحفوظ بشكل استثنائي، عُثر على ملابسه وقوسه وجعبته المليئة بالسهام وفأس ذات نصل نحاسي، مما قدم للعلماء معلومات غير مسبوقة عن صحة الإنسان القديم ونظامه الغذائي وأيامه الأخيرة.
لكن الجليد في جبال الألب لا يحتفظ فقط بالقطع الأثرية، بل يعمل كمحفوظ طبيعي للبيانات المناخية. فقد اكتشف فريق دولي من العلماء أن الغطاء الجليدي على قمة جبل "فايسه سبيتسه" في شرق جبال الألب يخزن معلومات عن المناخ والنشاط البشري على مدى ستة آلاف عام . إلا أن هذا الجليد يذوب بسرعة مقلقة؛ فقد وجد الباحثون أن سمك الجليد انخفض بحوالي 4.5 متر في ست سنوات فقط.
وتحذر عالمة المناخ القديم أتسورا سبانيسي من أن "لب الجليد هو بمثابة كبسولة زمنية تُضغط فيها آلاف السنين من التاريخ الجوي في أمتار قليلة من الجليد" . وتحليل هذه الطبقات يساعد في فهم كيفية تغير المناخ ومستوى التلوث منذ العصر الصناعي، إذ عُثر على آثار للرصاص والزرنيخ تعود لتعدين الفضة في العصور الوسطى.
من غابات قديمة إلى مستنقعات جليدية
في جبال روكي بالولايات المتحدة، كشف ذوبان الجليد عن غابة قديمة عمرها آلاف السنين، حيث عُثر على جذوع أشجار وبقايا نباتية محفوظة تحت الجليد. كما عُثر في نفس المنطقة على أقدم قطعة أثرية مستخرجة من الجليد الجبلي: رمح صيد يعود إلى أكثر من 10,000 عام.
في ألاسكا، اكتشف العلماء رواسب كهفية عمرها 20,000 عام تقدم أدلة جديدة على ذوبان الصفائح الجليدية في نهاية العصر الجليدي الأخير . ويصف الجيولوجي بول ويلكوكس هذه الكهوف بأنها "عملت كنوع من كبسولة الزمن التي حافظت على الرواسب لآلاف السنين".
سيبيريا: تحذير من المستقبل
في سيبيريا، قدمت رواسب الكهوف التي يصل عمرها إلى 8.7 مليون عام دليلاً صادماً: عندما كانت درجة حرارة الأرض العالمية أعلى بـ 4.5 درجة مئوية فقط مما هي عليه اليوم، كانت منطقة سيبيريا الشاسعة خالية تماماً من التربة الصقيعية.
ويقول الدكتور سباستيان بريتنباخ من جامعة نورثمبريا: "إن اكتشافاتنا تقدم دليلاً كمياً مباشراً على أنه إذا ارتفعت حرارة مناخنا بمقدار 4.5 درجة مئوية، فإن التربة الصقيعية التي تغطي كندا وسيبيريا ومنغوليا وأمريكا - في الواقع معظم نصف الكرة الشمالي - ستذوب" . ويضيف أن هذا الذوبان "سيطلق مليارات الأطنان من الكربون من الأرض إلى الغلاف الجوي، مما يعزز المزيد من الاحترار".
التهديد والفرصة: سباق مع الزمن
رغم القيمة العلمية الهائلة لهذه الاكتشافات، إلا أنها تأتي في ظل ظروف مقلقة.، فالجليد الذي حفظ هذه القطع لآلاف السنين يذوب بمعدلات متسارعة، وبمجرد خروج القطع إلى الهواء الطلق، يبدأ عداد الساعة في العد التنازلي لتحللها.
في النرويج فقط، من المتوقع أن يختفي ما بين 60 إلى 80 % من الجليد الجبلي بحلول نهاية القرن، حتى لو توقفت انبعاثات الغازات الدفيئة تماماً اليوم، في ظل التعهدات المناخية الحالية، قد تصل نسبة الفقد إلى 90%.