في غزة، لا تنتهي الحكايات عند لحظة القصف، بل تبدأ منها، فكل شهيد يترك خلفه قصة ناقصة، وحلما لم يكتمل، ووجوها كانت تملأ المكان حياة ثم غابت دفعة واحدة، وبين آلاف المآسي التي خلفتها الحرب، تبرز قصة الطفلة الفلسطينية ملك عبدالله كواحدة من أكثر الحكايات وجعا، لأنها لم تفقد حياتها فقط، بل فقدت معها عائلتها بأكملها.
حينما تعجز الكلمات عن وصف الوجع، ويصمت القلم أمام فاجعة تفوق الخيال، يصبح الصمت نفسه لغة للحزن، فخلال الأيام الماضية، كانت ملك تصارع إصاباتها البالغة التي تعرضت لها جراء قصف استهدف مدينة غزة، بينما كان من تبقى حولها يتمسك بخيط أمل رفيع بأن تنجو من الموت الذي خطف أحبتها، لكن جسدها الصغير المنهك لم يستطع مواصلة المعركة طويلا، فأسلمت روحها الطاهرة متأثرة بجراحها، لتنضم إلى عائلتها التي سبقتها إلى الرحيل.

ملك وعائلتها
استشهاد عائلة بالكامل
لم تكن رحلة ملك الأخيرة رحلة منفردة، بل كانت لحاقا بمن أحبتهم وفقدتهم في أيام قليلة، حيث سبقتها إلى الشهادة شقيقتها مريم ووالدها عبدالله، اللذان ارتقيا إثر استهداف مباشر لخيام النازحين غرب مدينة غزة، وبينما كانت الطفلة الصغيرة تتلقى العلاج وتحارب الألم داخل المستشفى، كانت عائلتها قد غادرت الدنيا بالفعل، تاركة لها قدرا ثقيلا يفوق عمرها الصغير.
ولم تكن هذه المأساة الأولى التي تعرفها العائلة، فقبل سنوات، وتحديداً عام 2022، فقدت الأسرة ابنتها آلاء، لتتحول سنوات قليلة إلى سجل طويل من الفقد المتراكم، واليوم، وبعد استشهاد ملك ووالدها وشقيقتها مريم، تكون العائلة قد أغلقت آخر فصول حضورها في هذه الحياة، بعدما مزقتها الحرب وبددت أحلامها البسيطة.
الشهداء والمصابين من أطفال غزة
ولا تقتصر مأساة أطفال غزة على القصص الفردية التي تنتهي باستشهاد طفل أو فقدان أسرة بأكملها، بل تكشف الأرقام حجم كارثة إنسانية غير مسبوقة يعيشها جيل كامل تحت نيران الحرب، فبحسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في 5 أبريل الماضي، تحولت الطفولة في القطاع إلى واحدة من أكبر ضحايا العدوان، في مشهد يعكس حجم المأساة التي تطال المدنيين، وخاصة الأطفال.
ويشير التقرير إلى أن الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما يشكلون نحو 43% من إجمالي سكان فلسطين البالغ عددهم 5.56 مليون نسمة، أي ما يقارب 2.47 مليون طفل، وهو ما يجعل أي استهداف واسع النطاق للسكان ينعكس بصورة مباشرة على هذه الفئة الأكثر هشاشة.
ومنذ اندلاع الحرب، استشهد 21 ألفا و283 طفلا، ووفقا لتقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، هو رقم يمثل نحو 30% من إجمالي الضحايا، وبين هؤلاء الشهداء 450 رضيعا، و1029 طفلا لم يتجاوزوا عامهم الأول، إضافة إلى 5031 دون سن الخامسة، وهي أرقام تعكس حجم الخسائر البشرية التي طالت الأطفال في أكثر مراحل حياتهم براءة وضعفاً.
ولم تتوقف المأساة عند القصف المباشر، إذ سجلت التقارير وفاة 157 طفلا بسبب الجوع وسوء التغذية، إلى جانب وفاة 25 آخرين نتيجة البرد ونقص مستلزمات الإيواء، في وقت لا يزال فيه نحو 9500 شخص في عداد المفقودين، معظمهم من الأطفال والنساء الذين لا تعرف عائلاتهم مصيرهم حتى الآن.
أما الأطفال الذين نجوا من الموت، فكثير منهم خرجوا من تحت الأنقاض بإصابات سترافقهم طوال حياتهم، حيث ذكر التقرير إصابة أكثر من 44 ألف طفل بجروح متفاوتة الخطورة، فيما يعاني نحو 10 آلاف و500 من إعاقات دائمة، من بينهم أكثر من ألف تعرضوا لبتر أحد الأطراف أو أكثر، كما يحتاج ما لا يقل عن 4 آلاف طفل إلى علاج عاجل خارج غزة في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية، بعدما تعرض 94% من المرافق الصحية للتدمير أو التضرر.
وتتفاقم الأزمة الإنسانية مع انتشار الجوع وسوء التغذية بين الأطفال، ففي شهر فبراير 2026 وحده، تلقى نحو 3700 طفل العلاج من سوء التغذية الحاد، بينما تم تسجيل أكثر من 600 حالة حرجة، وسط تحذيرات من أن نحو 31 ألف طفل باتوا مهددين بالموت بسبب الجوع ونقص الغذاء والرعاية الصحية.
كما دفعت الحرب مئات الآلاف من الأطفال إلى حياة النزوح القاسية، حيث تشير التقديرات إلى وجود نحو 1.4 مليون نازح داخل قطاع غزة، بينهم أعداد هائلة من الأطفال الذين فقدوا منازلهم ويعيشون في خيام أو مراكز إيواء تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وفي قطاع التعليم، لم تكن المدارس بمنأى عن الدمار، إذ دمرت 179 مدرسة حكومية بشكل كامل، فيما تضررت 100 مدرسة تابعة لوكالة الأونروا، ما أدى إلى حرمان نحو 700 ألف طالب من حقهم في التعليم، بينهم 39 ألف طالب وطالبة حرموا من التقدم لامتحانات الثانوية العامة، بحسب ما ذكره تقرير المركزى للإحصاء الفلسطيني.
ولا تبدو الجراح النفسية أقل خطورة من الجراح الجسدية، إذ يحتاج نحو 1.1 مليون طفل إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي نتيجة ما تعرضوا له من قصف وفقدان ونزوح ومشاهد عنف متكررة، كما تنتشر بين الأطفال أمراض متعددة مرتبطة بتدهور الظروف الصحية والبيئية، من بينها الإسهال واليرقان والأمراض المعدية الأخرى.
وتكشف هذه الأرقام أن الحرب في غزة لا تقتل الأطفال فقط، بل تسلبهم طفولتهم ومستقبلهم وحقهم في الحياة الآمنة والتعليم والصحة، لتتحول معاناة جيل كامل إلى واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية إيلاما في العصر الحديث.
خيام ممتلئة بالنازحين
وفي المخيمات التي امتلأت بخيام النازحين، كانت عائلة عبدالله تبحث مثل آلاف العائلات عن مكان آمن يحتمي من القصف والجوع والخوف، فلم تكن تطلب أكثر من النجاة، لكن الحرب كانت أسرع من أحلامها، تحول المكان الذي لجأت إليه الأسرة طلبا للحماية إلى مسرح للموت، وسقط أفرادها الواحد تلو الآخر تحت نيران لا تفرق بين طفل وامرأة أو بين خيمة وبيت.
رحلت ملك وهي تحمل في جسدها الصغير آثار القصف، لكن قصتها بقيت شاهدة على حجم المأساة التي يعيشها أطفال غزة، طفلة لم يتجاوز عمرها سنوات قليلة، وجدت نفسها تواجه الموت وحيدة بعد أن فقدت والدها وشقيقتها، قبل أن تلحق بهما تاركة وراءها أسئلة موجعة عن مستقبل الأطفال الذين تحاصرهم الحرب من كل الجهات.
اليوم، تودع غزة عائلة كاملة اختفت من سجل الحياة وبقيت في ذاكرة المدينة، أب وثلاث بنات جمعهم الفقد في الدنيا واجتمعوا مرة أخرى في رحاب الرحمة الإلهية، أما الخيام التي احترقت والأحلام التي تحطمت، فستبقى شاهدة على أن هذه الحرب لا تكتفي بقتل الأفراد، بل تمحو عائلات بأكملها من الوجود، وتترك خلفها فراغاً لا يمكن للكلمات أن تملأه.