أفريقيا تعود إلى قلب الحسابات الأمريكية.. تحركات لتأهيل دبلوماسيين متخصصين بالقارة وتأمين سلاسل المعادن الاستراتيجية.. والكونجرس يناقش السودان وتحديات الساحل والأمن الإقليمي

الثلاثاء، 16 يونيو 2026 01:00 ص
أفريقيا تعود إلى قلب الحسابات الأمريكية.. تحركات لتأهيل دبلوماسيين متخصصين بالقارة وتأمين سلاسل المعادن الاستراتيجية.. والكونجرس يناقش السودان وتحديات الساحل والأمن الإقليمي الكونجرس الأمريكي

كتبت ريهام عبد الله

تتجه الولايات المتحدة نحو مراجعة شاملة لأدواتها الدبلوماسية في أفريقيا بعد سنوات من التراجع في الحضور والخبرة داخل مؤسسات السياسة الخارجية الأمريكية.

وبينما يناقش الكونجرس حزمة تشريعات جديدة لإصلاح السلك الدبلوماسي، تبرز القارة الأفريقية كأحد المحاور الرئيسية في هذه العملية، سواء من خلال خطط لتوظيف متخصصين في الشؤون الأفريقية، أو عبر تعزيز التدريب المرتبط باللغات الاستراتيجية وسلاسل إمداد المعادن الحيوية التي أصبحت تمثل أحد أبرز ميادين التنافس الدولي مع الصين.

ويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات متزايدة في السودان ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا، بالتزامن مع ارتفاع عدد المناصب الدبلوماسية الشاغرة في السفارات الأمريكية بالقارة، وتنامي المخاوف داخل المؤسسات الأمريكية من تراجع النفوذ الأمريكي في مناطق تعتبرها الإدارة والكونجرس ذات أهمية استراتيجية متزايدة.

 

إصلاح شامل لقانون الخدمة الخارجية

يستعد مجلس النواب الأمريكي لمناقشة مشروع "قانون تحديث الخدمة الخارجية"، الذي يمثل أكبر محاولة لإعادة هيكلة السلك الدبلوماسي الأمريكي منذ إقرار قانون الخدمة الخارجية عام 1980.

ويقود المشروع رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب براين ماست ورئيس اللجنة الفرعية للشرق الأوسط مايك لولر، حيث يهدف التشريع إلى معالجة النقص الحاد في الكوادر والخبرات داخل وزارة الخارجية الأمريكية بعد موجة تقليصات وظيفية واسعة شهدتها السنوات الأخيرة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بمكتب الشؤون الأفريقية داخل وزارة الخارجية، والذي عانى من تراجع كبير في أعداد العاملين والخبرات المتخصصة، سواء في مقر الوزارة بواشنطن أو داخل البعثات الدبلوماسية المنتشرة في أنحاء القارة.

 

برنامج خاص لتوظيف خبراء أفريقيا

ويتضمن التشريع إنشاء برنامج مخصص لتسريع استقطاب وتوظيف الخبراء المتخصصين في الشؤون الأفريقية، بهدف سد النقص في الوظائف المرتبطة بمكتب الشؤون الأفريقية داخل الولايات المتحدة وفي السفارات الأمريكية بالقارة.

ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً داخل الكونجرس لأهمية المعرفة المتخصصة بالواقع السياسي والاقتصادي والأمني في أفريقيا، في ظل توسع المنافسة الدولية على النفوذ داخل القارة.

 

أزمة شواغر غير مسبوقة بالسفارات الأمريكية

تأتي هذه الخطوات في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة نقصاً حاداً في التمثيل الدبلوماسي بالقارة.

فمن أصل 51 سفارة أمريكية في أفريقيا، توجد 38 سفارة بلا سفراء معتمدين، وهو ما يمثل نحو 74.5% من إجمالي المناصب الدبلوماسية العليا بالقارة.

ورغم ذلك، بدأت الإدارة الأمريكية اتخاذ خطوات لسد جزء من هذا النقص عبر طرح عدد من الترشيحات الجديدة للمناصب الدبلوماسية.

وأعلنت الإدارة ترشيح نيك أوبرهايدن سفيراً لدى مصر، وهو محامٍ بارز في قضايا الدفاع الجنائي الفيدرالي ومؤسس شركة قانونية في ولاية تكساس، وفقا لموقع أفريكا ريبورت.

كما رُشح ستانلي براون لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى غينيا الاستوائية، بعد عمله مسؤولاً عن مكتب الشؤون السياسية والعسكرية بوزارة الخارجية.

وفي غامبيا، تم ترشيح الدبلوماسي المهني لورنس سوشا الذي سبق له العمل في نيجيريا والصومال وزيمبابوي.

أما في كينيا، فقد اختارت الإدارة هنري ووستر، وهو دبلوماسي مهني يشغل حالياً منصب كبير الدبلوماسيين الأمريكيين في هايتي، ليكون سفيراً جديداً في نيروبي.

كما تم ترشيح دانيال ترافيس لمنصب سفير الولايات المتحدة في سيراليون، مستفيداً من خبرة طويلة في الشؤون الأفريقية شملت العمل في الكونغو وكينيا وأوغندا وغانا.

 

المعادن النادرة في قلب الاستراتيجية الأمريكية

لا تقتصر التعديلات المقترحة على الجوانب الإدارية والتوظيفية فقط، بل تمتد إلى إعادة توجيه أولويات التدريب الدبلوماسي بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.

وينص المشروع على إنشاء برامج أكاديمية متخصصة تركز على سلاسل الإمداد العالمية وعلاقتها بالمنافسة الاستراتيجية مع الصين، مع تركيز خاص على قطاع الطاقة والمعادن الحيوية.

وبموجب المقترحات الجديدة، سيخضع الموظفون الاقتصاديون الذين يتم تعيينهم في الدول المنتجة أو المصدرة للمعادن الاستراتيجية لتدريب متخصص حول سلاسل إنتاج ومعالجة وتكرير هذه الموارد.

ويعكس هذا التوجه الأهمية المتزايدة للمعادن الأفريقية المستخدمة في الصناعات التكنولوجية المتقدمة والبطاريات والطاقة النظيفة، وهي قطاعات أصبحت تمثل ساحة رئيسية للتنافس بين القوى الكبرى.

 

حماية اللغات الاستراتيجية

كما يدعو التشريع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى ضمان الحفاظ على القدرات اللغوية المرتبطة باللغات الأجنبية التي تصنف باعتبارها ذات أهمية استراتيجية للمصالح الأمريكية.

ويأتي ذلك في وقت تعرضت فيه برامج الدراسات الأفريقية واللغات الأجنبية في الجامعات والمؤسسات الأمريكية لتخفيضات تمويلية ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.

 

دبلوماسية أكثر حضوراً في مناطق النزاع

ويتضمن المشروع كذلك إنشاء فريق متخصص داخل وزارة الخارجية يعرف باسم "فريق النمر"، تكون مهمته دعم ما يطلق عليه "الدبلوماسية الميدانية" في مناطق النزاعات والصراعات.

ويهدف هذا التوجه إلى تقليل الاعتماد على ما يوصف بالعمل الدبلوماسي من خلف الجدران المحصنة، وتشجيع الدبلوماسيين الأمريكيين على العمل بشكل أكثر مباشرة في البيئات عالية المخاطر، بما يسمح بفهم أفضل للواقع الميداني وتعزيز التأثير الأمريكي.

 

السودان على طاولة الكونجرس

بالتوازي مع مناقشة إصلاح وزارة الخارجية، يستعد الكونجرس لمناقشة مشروع قانون خاص بالسودان تحت اسم "قانون الانخراط الأمريكي في السلام السوداني".

ويدعو المشروع إلى فرض عقوبات على طرفي النزاع، كما يقترح دعم قوة دولية تحت مظلة الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو أي إطار دولي آخر للمساعدة في استعادة الاستقرار.

ويتضمن المشروع أيضاً حظراً على بيع الأسلحة الأمريكية للدول التي تدعم أي طرف من أطراف الحرب السودانية، وهو بند يفسره مراقبون باعتباره موجهاً بصورة غير مباشرة ضد الدول المتهمة بدعم قوات الدعم السريع.

 

مخاوف متزايدة بشأن الساحل وغرب أفريقيا

وفي ملف أمني موازٍ، يناقش مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون الموازنة الدفاعية للعام المالي 2027، والذي يتضمن تحذيرات صريحة بشأن التدهور الأمني المتسارع في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل.

ويشير التقرير المرافق للتشريع إلى وجود فجوات استخباراتية وعملياتية واسعة في أجزاء كبيرة من المنطقة، في وقت تواصل فيه الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة توسيع نفوذها وسيطرتها الميدانية.

كما أعرب المشرعون عن قلقهم من تراجع قدرات المراقبة والاستطلاع الجوي التابعة للقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا، رغم تزايد التهديدات الأمنية.

 

أسبوع أفريقي مزدحم داخل صندوق النقد الدولي

وعلى الصعيد الاقتصادي، يشهد صندوق النقد الدولي أسبوعاً حافلاً بالملفات الأفريقية.

ويبحث مجلس إدارة الصندوق طلب رواندا الحصول على برنامج تمويل جديد بقيمة 250 مليون دولار يمتد لـ38 شهراً.

كما يناقش ملفات غينيا بيساو وسيراليون وأوغندا، بما في ذلك طلبات تمويل جديدة ومراجعات دورية للبرامج الاقتصادية القائمة.

 

الأمم المتحدة تتابع أزمات أفريقيا الوسطى

وفي نيويورك، يستعد مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة خاصة حول أوضاع أفريقيا الوسطى وأنشطة مكتب الأمم المتحدة الإقليمي للمنطقة.

ومن المتوقع أن تتناول المناقشات الجهود الدولية الرامية إلى مواجهة نشاط جيش الرب للمقاومة بقيادة جوزيف كوني، والذي لا يزال ينشط في أجزاء من جمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وجنوب السودان وأوغندا.

 

أفريقيا تعود إلى صدارة الاهتمام الأمريكي

تكشف التحركات الجارية في الكونجرس ووزارة الخارجية والمؤسسات الأمنية الأمريكية عن توجه جديد لإعادة بناء الحضور الأمريكي في أفريقيا بعد سنوات من التراجع المؤسسي والدبلوماسي.

وبينما تتصدر المعادن الاستراتيجية والتنافس مع الصين الأولويات الاقتصادية، تفرض أزمات السودان والساحل وغرب أفريقيا نفسها كاختبارات رئيسية لقدرة واشنطن على استعادة نفوذها في قارة باتت تمثل إحدى أهم ساحات التنافس الدولي في العالم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة