وسط أصوات المزمار البلدى، وحلقات الرجال التى التفّت فى ساحة واسعة داخل قرية فارس التابعة لمركز كوم أمبو بمحافظة أسوان، عاد التحطيب ليخطف الأنظار من جديد، بعدما تحولت إحدى ليالى الأفراح إلى مشهد تراثى يعكس أصالة الصعيد وعاداته المتوارثة عبر الأجيال، حيث استضافت القرية منافسات التحطيب على هامش حفل زفاف أحد شبابها، فى أجواء امتزجت فيها الفرحة بالتراث، والحماس بروح الود والمحبة.
وشهدت الليلة حضوراً كبيراً من أهالى القرية والضيوف القادمين من قرى ومحافظات مجاورة، حيث تحولت ساحة الفرح إلى ما يشبه الملتقى التراثى الذى أعاد إلى الأذهان صورة الأفراح القديمة فى جنوب مصر، حين كانت العصا والمزمار والكف الشعبى جزءاً أصيلاً من مراسم الاحتفال بالزواج.
التحطيب.. لغة قديمة لا تعرف العنف
وقال محمد أحمد قاسم، أحد أهالى قرية فارس بأسوان، لـ"اليوم السابع"، إن التحطيب يعد من أقدم العادات العربية والمصرية التى ارتبطت بأهالى الصعيد، موضحاً أن هذه اللعبة التراثية لا تقوم على العنف كما يظن البعض، وإنما تعتمد على التنافس الشريف وإظهار المهارة والقوة والشجاعة فى إطار من الاحترام المتبادل بين المتبارزين.
وأضاف، أن اللعبة تقوم على وجود لاعبين فقط داخل الحلقة الدائرية التى يصنعها الجمهور، حيث يحمل كل لاعب عصا طويلة ويتحرك بخفة وسرعة محاولاً حماية نفسه من ضربة منافسه وفى الوقت ذاته يسعى لتوجيه ضربة رمزية له، مؤكداً أن الضربات تكون مجازية وليست بغرض الإيذاء، لأن الهدف الأساسى من التحطيب هو الاستعراض وإحياء التراث وليس القتال.
وأوضح، أن الجمهور يتفاعل مع اللاعبين على أنغام المزمار البلدى الذى يمنح المنافسة إيقاعاً خاصاً، فتتحول المباراة إلى لوحة فنية شعبية يتداخل فيها الأداء الحركى مع الموسيقى التراثية، بينما يلتف الحاضرون فى حلقة واسعة يتابعون المهارات بحماس كبير.
أفراح الصعيد تحافظ على التراث
وفى قرية فارس، لم يكن التحطيب مجرد فقرة ترفيهية ضمن حفل الزفاف، لكن كان جزءاً أساسياً من هوية الفرح، حيث حرص كبار العائلات والشباب على تنظيم المنافسات واستقبال الضيوف المشاركين فيها من خارج القرية، فى مشهد يعكس استمرار تمسك أبناء الصعيد بعاداتهم القديمة رغم تغير مظاهر الحياة الحديثة.
ويؤكد عدد من الأهالى أن الأفراح فى الصعيد كانت قديماً تستمر لعدة أيام، وكانت تتضمن التحطيب والكف الشعبى والفرق الفلكلورية وليالى السمر، وهو ما ساهم فى خلق حالة من الترابط الاجتماعى بين أبناء القبائل والعائلات المختلفة، بينما كانت المناسبات تتحول إلى فرصة للتعارف وتبادل الزيارات بين القرى والمحافظات.
ولا تزال بعض القرى فى أسوان تحافظ حتى الآن على هذه الطقوس، خاصة فى المناسبات الكبرى مثل حفلات الزواج وليالى المرماح، حيث يعتبر التحطيب واحداً من أبرز المظاهر التراثية التى تعبر عن الرجولة والشهامة والانتماء للبيئة الصعيدية.
المزمار البلدى.. روح المنافسة
وللمزمار البلدى دور رئيسى فى منافسات التحطيب، إذ يبدأ العازفون فى إطلاق النغمات الشعبية الحماسية التى تدفع اللاعبين إلى التحرك بخفة داخل الحلقة، بينما يصفق الجمهور ويتابع تفاصيل التنافس فى حالة من الانسجام الجماعى.
ويقول أبناء القرية، إن المزمار ليس مجرد موسيقى مصاحبة، لكن يمثل روح اللعبة نفسها، لأن اللاعب يستمد من الإيقاع حركته وأسلوبه فى التبارز، كما أن الجمهور يتفاعل مع الأداء بحسب تناغم اللاعب مع الموسيقى الشعبية.
ويضيف الأهالى، أن ليالى التحطيب كانت وما زالت تشكل جزءاً من الذاكرة الجمعية لأبناء الصعيد، حيث تربى الكثير من الشباب على مشاهدة تلك المنافسات فى الأفراح والتجمعات القبلية، وهو ما جعلها موروثاً ثقافياً ينتقل من جيل إلى آخر.
رسالة محبة بين القبائل
ورغم المظهر الحماسى الذى قد يبدو للبعض أشبه بالمواجهة، فإن التحطيب فى حقيقته يحمل رسائل اجتماعية مهمة، أبرزها نشر روح الألفة والمحبة بين أبناء القبائل والقرى المختلفة، خاصة أن المشاركين فى المنافسات غالباً ما يأتون من محافظات وقرى بعيدة للمشاركة فى الاحتفالات.
ويؤكد محمد أحمد قاسم، أن التحطيب ساهم عبر سنوات طويلة فى تعزيز العلاقات الاجتماعية بين أبناء الصعيد، لأنه يقوم على الاحترام المتبادل والروح الرياضية، مشيراً إلى أن الضيوف يحرصون على حضور هذه المناسبات ليس فقط للمنافسة، ولكن أيضاً للقاء الأصدقاء والأقارب وتبادل الود.
وأضاف، أن التحطيب كان قديماً يمثل رمزاً للقوة والانضباط، حيث كان الشاب يتعلم كيفية التحكم فى حركته واحترام منافسه، وهو ما جعل اللعبة تحافظ على مكانتها حتى الآن باعتبارها جزءاً من التراث الشعبى المصرى.
فارس.. قرية تعشق الموروث الشعبى
وتعد قرية فارس واحدة من القرى التى ما زالت متمسكة بعاداتها التراثية فى المناسبات الاجتماعية، حيث يحرص الأهالى على إحياء الفنون الشعبية القديمة فى الأفراح، سواء من خلال التحطيب أو الكف الشعبى أو العروض الفلكلورية التى تعكس طبيعة المجتمع الأسوانى.
وخلال حفل الزفاف الذى شهد منافسات التحطيب، توافد العشرات من الأهالى والضيوف لمتابعة الفعاليات، بينما تحولت ساحة الاحتفال إلى مشهد تراثى متكامل يعكس روح الصعيد القديمة، حيث اختلطت أصوات المزمار بزغاريد النساء وتصفيق الحاضرين فى أجواء اتسمت بالفرح والبهجة.
ويرى أبناء القرية أن الحفاظ على هذه العادات يمثل حماية للهوية الثقافية والتراث الشعبى من الاندثار، خاصة فى ظل التغيرات الحديثة التى أثرت على شكل المناسبات الاجتماعية فى كثير من المناطق.
تراث شعبى يقاوم الاندثار
ومع التطور الكبير الذى شهدته مظاهر الاحتفال فى السنوات الأخيرة، لا يزال التحطيب يقاوم الاندثار بفضل تمسك أبناء الصعيد به باعتباره رمزاً من رموز التراث الجنوبى، حيث تحرص العائلات على إدراجه ضمن طقوس الأفراح والمناسبات الكبرى.
ويؤكد المهتمون بالتراث الشعبى، أن مثل هذه الفنون الشعبية لا تمثل مجرد وسيلة للترفيه، لكن تعد سجلاً حياً للعادات والتقاليد التى تعبر عن تاريخ المجتمع وثقافته، وهو ما يجعل استمرارها ضرورة للحفاظ على الهوية المصرية الأصيلة.
يُشار إلى أن منافسات التحطيب وليالى الكف الشعبى لا تزال تحظى بإقبال واسع فى عدد من قرى أسوان ومحافظات الصعيد، خاصة خلال حفلات الزواج والمناسبات القبلية، حيث تتحول تلك الليالى إلى احتفال جماعى يعكس قيم الشهامة والكرم والترابط الاجتماعى بين أبناء الجنوب.

اشتعال التحطيب المزمار

الأطفال الحضور

الحضور

العريس

تنافس

تنافس العصا

جانب من طقوس حفل الزفاف

حلقة التحطيب

لقاء ودى

مبارزات التحطيب فى قرية فارس

مبارزة التحطيب