أوروبا تحاصر الإخوان الإرهابية؟.. برلمان القارة العجوز يفتح ملف الاندماج.. فرنسا ترفع درجة التأهب الأمني.. السويد تمنع أموال سيدا عن البيئات المعادية للديمقراطية.. وبلجيكا وهولندا تتحركان لتجفيف منابع التمويل

الأربعاء، 24 يونيو 2026 05:00 م
أوروبا تحاصر الإخوان الإرهابية؟.. برلمان القارة العجوز يفتح ملف الاندماج.. فرنسا ترفع درجة التأهب الأمني.. السويد تمنع أموال سيدا عن البيئات المعادية للديمقراطية.. وبلجيكا وهولندا تتحركان لتجفيف منابع التمويل جماعة الإخوان الإرهابية - أرشيفية

كتبت: هناء أبو العز

لم تكن الإطاحة بـ جماعة الإخوان الإرهابية في مصر، بعد ثورة 30 يونيو والتى ثار فيها الشعب المصرى على حكم الجماعة، مجرد حدث محلي عابر أو تغيير في المشهد السياسي الداخلي، ولكنه كان بمثابة زلزال ضرب الجماعة كلها وارتد ذلك على مركز التنظيم الإرهابى بأكمله فى الخارج أيضًا.

واليوم، تشهد الساحة الأوروبية والأمريكية تحولاً جذرياً  فى التعامل مع الجماعة الإرهابية، حيث تحولت العواصم الكبرى من مرحلة الاحتواء  والدبلوماسية الهادئة، إلى مرحلة التضييق المنهجي والحصار القانوني والأمني الشامل والمنظم.

ويأتي هذا التحول الغربي بعد عدد من التقارير الاستخباراتية الصارمة والدراسات البحثية المعمقة، والتي بدأت تتبنى بشكل كامل الرؤية المصرية التحذيرية التي أطلقتها القاهرة مسبقاً،  حيث تؤكد الأجهزة الأمنية الغربية حالياً أن خطر التنظيم لم يعد محصوراً في العنف المباشر أو الصدام العسكري، بل يكمن في التسلل الناعم داخل نسيج المجتمعات الأوروبية، ومحاولة خلق هويات موازية ومنعزلة تهدد السلم المجتمعي وقيم الديمقراطية الليبرالية.

 

الإدارة الأمريكية والبرلمان الأوروبي.. خطوات حاسمة نحو الحظر وتجفيف المنابع

وفي سياق الحصار الدولي المتصاعد والتكامل الأمني بين ضفتي الأطلسي، اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية خطوات حاسمة في مواجهة فروع الجماعة، حيث قامت واشنطن رسمياً بتصنيف "جماعة الإخوان" في مصر، وكذلك فرعها في كل من الأردن ولبنان كـ "منظمات إرهابية"، وتلا ذلك مباشرة وضع فرع الجماعة في السودان على القائمة ذاتها.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التصنيف الإداري، بل ربط تقرير رسمي حديث صادر عن البيت الأبيض الأمريكي بين الجماعة وبين تنظيمات العنف الشديد مثل "القاعدة" و"داعش"، مستخدماً تعبيراً بالصياغة المباشرة الواصفة للجماعة بأنها "أصل الإرهاب الحديث".

وعلى الجانب الأوروبي، ترجم هذا القلق إلى تحركات برلمانية وتشريعية واسعة، إذ وافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي على دعوة موجهة إلى المفوضية الأوروبية بضرورة إدراج «جماعة الإخوان» وقادتها في أوروبا رسمياً على قوائم المنظمات الإرهابية.

وفي الوقت نفسه، تشهد أروقة البرلمان الأوروبي نقاشات محتدمة وضغوطاً متصاعدة تقودها باريس وبرلين لدراسة التداعيات الخطيرة لتمدد هذه الشبكات الفكرية والأيديولوجية على سياسات الاندماج والتماسك الوطني داخل القارة العجوز.

 

فرنسا وتصعيد مجلس الدفاع.. معركة حماية الهوية الجمهورية

وتعتبر فرنسا اليوم من أوائل الدول التي خاضت مواجهة مباشرة وعملية لتفكيك مشروع  الجماعة الإرهابية على أراضيها، والبداية كانتً عقب اجتماع مغلق وعالي المستوى لـ "مجلس الدفاع والأمن القومي الفرنسي" برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون، خصص كاملاً لمناقشة التهديدات الداخلية المترتبة على الحركات الإخوانية العابرة للحدود، والتغلغل الإخواني داخل البنية المجتمعية والتعليمية في ضواحي باريس ومدن كبرى مثل ليون ومرسيليا.

وتم التضييق على الجماعة الإرهابية من عدة جبهاات بداية من  الحصار القضائي والإداري (نموذج مدينة نانت)، حيث شكل قرار القضاء الفرنسي بحظر إقامة مؤتمر يتبع الجماعة في مدينة نانت خطوة بالغة الأهمية، حيث رفضت المحكمة الإدارية في نانت طعناً تقدم به منظمو مؤتمر "لقاء المسلمين في الغرب" (والذي يعتبره المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف جزءاً من الفرع الوطني للإخوان)، وأيدت المحكمة قرار محافظة "لوار - أتلانتيك" ووزارة الداخلية بحظر المؤتمر الذي كان مقرراً عقده في "مسجد السلام" بحي مالاكوف.

وتعليقاً على هذا الحكم، صرح رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو بوضوح عبر منصة "إكس" قائلاً: "في مواجهة الجماعة الإخوانية يجب على فرنسا أن تكون حازمة ودقيقة دون أي شائبة قانونية، وهذا القرار خطوة مهمة في مواجهة تسلل جماعة الإخوان الإرهابية".

 

التغلغل في قطاع التعليم والمساجد

كما تكشف التقارير الاستخباراتية المرفوعة إلى مجلس الدفاع الفرنسي أن الجماعة ركزت منذ عقود على قطاع التعليم الإسلامي الخاص كمدخل إستراتيجي لإعادة إنتاج خطابها.

وتشير البيانات إلى وجود أكثر من 120 مدرسة إسلامية في فرنسا وحدها، يتلقى عدد غير قليل منها دعماً مباشراً أو غير مباشر من شخصيات أو جمعيات واجهة تتبع التيار الإخواني، وتمتد هذه الشبكات لتشمل مدارس باكستانية وتركية تعمل تحت أطر قانونية محلية لكنها تخضع لتوجيهات أيديولوجية خارجية، بالإضافة إلى تحويل بعض المساجد الكبرى في باريس إلى مراكز نشاط تنظيمي غير معلن.

 

ألمانيا.. التحدي الأكبر على المدى البعيد وتكتيك الإخفاء بالدمج

وتتقاطع رؤية هيئة حماية الدستور في ألمانيا (جهاز الاستخبارات الداخلية الألمانية) بشكل كامل مع التقييمات الفرنسية، حيث تجدد الأجهزة الألمانية تحذيراتها المستمرة من أن جماعة الإخوان تشكل التحدي الأكبر والخطر الحقيقي على الأمن القومي على المدى البعيد، بشكل قد يفوق خطر التنظيمات الجهادية العنيفة (مثل داعش والقاعدة) التي يسهل رصدها ومواجهتها أمنياً.

وتكمن خطورة التنظيم في ألمانيا -حيث يقدر عدد أعضائه النشطين بـ 1,400 عضو يتمركزون بقوة في برلين وهامبورغ وكولونيا- في اعتماده على تكتيك "الإخفاء بالدمج".

ويندمج عناصر الجماعة في مؤسسات مدنية مسجلة قانونياً ودستورياً، مثل "المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا"، دون الإعلان الصريح عن تبعيتهم التنظيمية، ويوسعون نفوذهم عبر واجهات تعليمية ودينية تمنحهم الغطاء الشرعي للتأثير تدريجياً في الأحزاب السياسية والبلديات ومؤسسات الدولة، وتمرير مشروعهم الأيديولوجي تحت سقف القانون.
السويد وهولندا وبلجيكا.. تحقيقات برلمانية وتفكيك امبراطوريات المال العام.

كما انتقلت عدوى اليقظة الألمانية والفرنسية سريعاً إلى بقية دول شمال وغرب أوروبا، لتتحول المواجهة من الشق الأمني التقليدي إلى التدقيق الصارم في الحوكمة والشفافية المالية:

 

النموذج السويدي وتجفيف المليارات

دفعت الحكومة السويدية بملف المواجهة إلى مستويات متقدمة تفعيلاً لبنود "اتفاق تيدو" السياسي لعام 2022 (المبرم بين ائتلاف أحزاب المحافظين، المسيحيين الديمقراطيين، الليبراليين، وبدعم من حزب ديمقراطيي السويد). حيث تم تكليف الباحث البارز في قضايا الإرهاب "ماغنوس رانستورب" بقيادة تحقيق حكومي رسمي موسع لبحث الراديكالية الدينية وآليات "الاختراق" داخل المجتمع المدني والبلديات.

وأسفرت هذه الرقابة الصارمة عن إجراءات مالية موجعة للتنظيم الإرهابى، حيث  أوقفت وكالة التعاون الإنمائي السويدية "سيدا" جميع إسهاماتها وتمويلاتها الجديدة للمنظمة، بعد أن تلقت الأخيرة دعماً مالياً حكومياً ضخماً بلغ نحو 1.3 مليار كرونة سويدية على مدار عشر سنوات كاملة، وجاء الإيقاف التزاماً بالشروط المشددة التي تمنع وصول المال العام إلى بيئات معادية للديمقراطية.

وخسر اتحاد ابن رشد  الاتحاد ذو التوجه الإخوانى دعمه الحكومي بقرار رسمي من مجلس التعليم الشعبي، وذلك نظراً لعدم امتثاله وانتمائه لمبادئ الديمقراطية الليبرالية.

كما كشفت مصادر سياسية من البرلمان السويدي "الريكسداغ" أن لجان التحقيق وضعت قوائم أولية لفحص وتدقيق المنح المالية وعقود الأنشطة الشبابية والأسرية في مدن ستوكهولم، وغوتنبرغ، ومالمو، ومطابقة سجلات التمويل مع أسماء أعضاء مجالس الإدارة لكشف أي صلات خفية بالتنظيم.

 

بلجيكا ورصد الأخطبوط

على الجانب البلجيكي، رصدت تقارير استخباراتية فرنسية تحول بلجيكا وضواحي بروكسل إلى "مركز أوروبي" يضم مئات الناشطين الإخوانيين الذين يمارسون ضغوطاً اجتماعية ومؤسسية.

ورغم محاولة السلطات البلجيكية التخفيف من هذه الأرقام بوصفها النفوذ بأنه "موجود لكنه محدود" (في حدود 100 فرد نشط فقط)، إلا أن التحقيقات البرلمانية العميقة التي أجرتها "اللجنة آر" (لجنة مراقبة أجهزة الاستخبارات البلجيكية) تعكس قلقاً مؤسسياً داخلياً بالغاً من قدرة هؤلاء الأفراد على بناء شبكات تأثير تدريجية.

 

التحرك الهولندي

وفي هولندا، بدأت السلطات المحلية والطبقات السياسية تحركات فعلية جادة داخل البرلمان، حيث تشير التقارير الإعلامية إلى بدء عمليات تصويت برلمانية تفتح الباب على مصراعيه للمواجهة القانونية المباشرة وحظر أنشطة الجماعة بشكل كامل.

 

بريطانيا.. فجوة المقاربة ودعوات الحظر الشامل تعود للواجهة

وعلى الرغم من التحرك الفرنسي والألماني الصارم، يشير المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف إلى وجود تباين في المواقف، حيث تبدو العاصمة البريطانية لندن تاريخياً الأقل صرامة وأكثر حذراً وتريثاً في تصنيف الجماعة.

وتوضح التقارير أن أقساماً داخل الجهاز الأمني البريطاني كانت تعتبر "الإسلام السياسي غير العنيف" ليس من مشكلتها، بل واعتبرت بعض تلك الأقسام المتشددين غير العنيفين بمثابة "حلفاء موثوقين" لمواجهة الجماعات العنيفة مثل القاعدة وداعش، وهو النهج الذي واجه انتقادات أوروبية وأمريكية لاذعة.

إلا أن هذا التراخي لم يعد مستقراً، إذ عادت دعوات الحظر الشامل بقوة إلى الواجهة البريطانية مؤخراً.

بداية من مطالبات جمعية هنري جاكسون، حيث  وجهت الجمعية دعوات صريحة ومباشرة لحكومة حزب العمال بضرورة حظر الجماعة رسمياً وبموجب قوانين مكافحة الإرهاب، معتبرة إياها "خطراً إيديولوجياً وأمنياً عابراً للحدود" يستغل القوانين البريطانية المتساهلة للعمل الآمن تحت غطاء العمل الخيري والمنظمات غير الربحية.

كما تشير التقديرات البحثية إلى أن عدد المنتمين إلى الجماعة أو المتعاطفين معها في المملكة المتحدة يتراوح ما بين 5,000 إلى 8,000 شخص، يتمركز أغلبهم في مدن رئيسية تشمل لندن، برمنغهام، وليستر، ويديرون شبكة نفوذ واسعة معقدة إدارياً ومالياً.

 

ماذا يحدث الآن مع الجماعة الإرهابية فى أوروبا

أمام هذا الخناق الأوروبي غير المسبوق، تلجأ الجماعة إلى استراتيجيات بديلة للالتفاف على القرارات الأمنية، وهو ما يسميه الباحث الفرنسي المتخصص في الإسلام السياسي لوران بونيفوي بـاستراتيجية التكيف المرحلي، حيث يتم تغيير الخطاب بمرونة دون تغيير الأهداف النهائية.

فيما تتجه الدول الغربية اليوم نحو صياغة استراتيجية دفاعية متعددة الأبعاد ترتكز على محاور صارمة تشمل: فرض مستويات عالية من الإفصاح والشفافية المالية على الجمعيات الخيرية والمؤسسات غير الربحية، مراقبة التحويلات المالية العابرة للحدود لتجفيف منابع الدعم الخارجي، إنشاء قواعد بيانات مشتركة وآليات إنذار مبكر بين الأجهزة الأمنية الأوروبية، إحكام الرقابة على المدارس الخاصة والمناهج التعليمية، تشجيع برامج وطنية مستقلة لإعداد وتكوين أئمة محليين لقطع الروابط مع التوجيهات الخارجية، وتفكيك الخطابات الانعزالية لدعم الاندماج الحقيقي للشباب والجاليات.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة