مع حلول عام 2026، تحول فيروس إنفلونزا الطيور H5N1 من أزمة محلية إلى كارثة عالمية تطارد القارات، حيث اجتاح أستراليا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، مخلفاً وراءه نفوقاً جماعياً للحياة البرية وذبحاً جماعياً للملايين من الطيور الداجنة في مشهد يعيد تعريف حجم التهديد الوبائي للكوكب.
أستراليا تفقد وضعها الخالي من الفيروس
في تطور تاريخي، سجلت أستراليا أول إصابة بسلالة H5N1 شديدة الضراوة على أراضيها، في طائر بحري من نوع "سكوا بني" عُثر عليه في منتزه كيب لو غراند الوطني بالقرب من مدينة إسبيرانس، على بعد 700 كيلومتر جنوب شرق بيرث، لتخسر بذلك وضعها كالقارة الوحيدة في العالم الخالية من الفيروس.
وأكدت وزيرة الزراعة الأسترالية جولي كولينز عدم وجود أدلة على انتقال الفيروس إلى الدواجن حتى الآن، مع تفعيل خطط الطوارئ التي استثمرت فيها الحكومة أكثر من 113 مليون دولار أسترالي، كما أعلنت شركة "إنجامز" كبرى شركات الدواجن إغلاق منشآتها في غرب أستراليا احترازياً.
كارثة بيئية في جزر هيرد وماكدونالد
في مشهد مأساوي، كشفت دراسة علمية نشرت في يونيو 2026 عن نفوق أكثر من 13 ألف من صغار فقمات الفيل (أفيال البحر) في أرخبيل هيرد وماكدونالد، إحدى الجزر النائية الأسترالية في جنوب المحيط الهندي، جراء الإصابة بـ H5N1.
وبلغ معدل النفوق بين الصغار 76%، ووصل في بعض المناطق إلى 97%، بينما يتراوح المعدل الطبيعي بين 2% و5% فقط. وأشار الباحثون إلى أن الفيروس وصل على الأرجح من الجزر الفرنسية كروزيت، على بعد 1800 كيلومتر، عبر الطيور المهاجرة. ولم تقتصر الكارثة على الفقمات، بل امتدت لطيور البطريق الملك وطيور النوء الغواصة.
أوروبا: 32 دولة في دائرة الخطر
تشهد أوروبا موجة تفشٍ غير مسبوقة، حيث أبلغت 32 دولة عن اكتشاف الفيروس بين نوفمبر 2025 وفبراير 2026، بإجمالي 2,514 إصابة، منها 406 في الدواجن المنزلية و2,108 في الطيور البرية.
سجلت بولندا 140 تفشياً في مزارع الدواجن التجارية منذ بداية 2026، أثرت على نحو 9.65 مليون طائر، وفي مايو فقط تم تأكيد 26 تفشياً جديداً موزعة على أربع محافظات.
تأتي ألمانيا في المرتبة الثانية بـ 39 تفشياً، تلتها فرنسا وإيطاليا بـ 19 تفشياً لكل منهما، ثم هولندا بـ 17 تفشياً. وفي فرنسا، سجلت إصابتان جديدتان في مايو 2026 في مزارع البط رغم حصولها على اللقاح الإلزامي منذ ثلاث سنوات.
بلغ عدد التفشيات في الطيور البرية 2,508 إصابة في 31 دولة، وتتصدر ألمانيا القائمة بـ1,456 إصابة، تليها بولندا (223)، والدنمارك (142)، وبلجيكا (140)، وهولندا (135).
أمريكا اللاتينية: تحذير من كارثة بيئية
حذرت منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO) من أن الفيروس خلق "سيناريو صحياً غير مسبوق" في القارة، مع ارتفاع معدلات النفوق في الطيور البرية والداجنة.
15 دولة تتحد لمواجهة التهديد
اجتمع 45 طبيباً بيطرياً من 15 دولة في بنما ضمن برنامج ProgRESSVet لتطوير أداة إنذار مبكر، وتشمل الدول: الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وتشيلي وكولومبيا وكوستاريكا والإكوادور، والسلفادور وجواتيمالا وهندوراس والمكسيك ونيكاراجوا وبنما وباراجواي وبيرو، وجمهورية الدومينيكان.
هندوراس تذبح 32 ألف دجاجة
أعلنت السلطات الهندوراسية ذبح 32 ألف دجاجة في مزرعة ببلدية سان بيدرو زاكابا، وفرضت الحجر الصحي على المنطقة بعد تأكيد الإصابة بسلالة H5N1.
الأرجنتين وأوروجواي
سجلت الأرجنتين تفشياً جديداً في محافظة بوينس آيرس، بينما أكدت دراسة رصد فيروسات H5N1 إعادة التركيب الجيني في أوروغواي، مما يشير إلى تنوع جيني متزايد في المنطقة. وتشير التقارير إلى أن الفيروس تسبب في نفوق 600 ألف طائر بري و50 ألف من الثدييات البحرية في أمريكا الجنوبية منذ 2022.
إصابات بشرية في المنطقة
سجلت منظمة الصحة العالمية 75 إصابة بشرية بـH5N1 في الأمريكتين منذ 2022، بما في ذلك حالة في المكسيك عام 2025 وحالات في البرازيل، دون تسجيل انتقال مستدام بين البشر حتى الآن.
مشهد عالمي متصاعد
يأتي هذا في وقت يواصل فيه الفيروس انتشاره عالمياً، حيث تم إعدام أكثر من 200 مليون دجاجة في الولايات المتحدة منذ وصول الفيروس. ومع استمرار التفشي، تتزايد الدعوات لتعزيز التعاون الدولي وفق نهج "الصحة الواحدة" (One Health) الذي يربط صحة الحيوان والإنسان والبيئة.