لم تعد التغيرات المناخية مجرد تحذيرات تطلقها المؤتمرات الدولية أو سيناريوهات مستقبلية تدرسها مراكز الأبحاث، بل تحولت إلى واقع ملموس يلقي بظلاله الثقيلة على كافة دول العالم، لا سيما المناطق الساحلية والدلتاوات التي تصنف عالمياً بأنها الأكثر هشاشة وعرضة للمخاطر.
وتتعدد تأثيرات هذه التغيرات لتشمل الارتفاع المطرد في درجات الحرارة، واختلال مواقيت الفصول، وزيادة حدة العواصف، غير أن الخطر الأكبر الذي يهدد المدن الشاطئية يكمن في الارتفاع التدريجي لمنسوب مياه البحار والمحيطات نتيجة ذوبان الجليد القُطبي والتمدد الحراري للمياه.
هذا الارتفاع لا يتسبب فقط في نحر الشواطئ وتآكل المساحات الرملية التي تشكل خط الدفاع الأول عن المدن، بل يمتد ليهدد البنية التحتية، والاستثمارات السياحية، والأراضي الزراعية المتاخمة، مسبباً تملحاً للمياه الجوفية وخسائر اقتصادية فادحة.
وفي قلب هذه المواجهة العالمية، تقف مدينة الإسكندرية العريقة، "عروس البحر الأبيض المتوسط"، لتواجه نوات بحرية أكثر عنفاً وتآكلاً مستمراً لشواطئها، وهو ما استلزم تحركاً وطنياً فورياً وحاسماً من الدولة المصرية لصياغة استراتيجية حماية متكاملة ومستدامة.
وفي إطار هذه الجهود المتواصلة والممتدة لمجابهة التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية، وضعت الدولة خطة عاجلة لحماية واستعادة الشواطئ الرملية لمدينة الإسكندرية، مدعومة برؤية هندسية وبيئية واضحة توازن بدقة متناهية بين توفير الحماية الإنشائية المتقدمة للمنشآت الحيوية، وبين الحفاظ الكامل على الهوية البصرية والمظهر الجمالي للمدينة، فالهدف لم يعد مجرد إقامة مصدات صماء لحجز الأمواج، بل إعادة صياغة العلاقة بين المدينة وبحرها بما يضمن للمواطنين والمصطافين الاستمتاع الكامل بالطبيعة الساحلية دون أي عوائق تشوه الرؤية المباشرة للمياه، مع تحويل هذه المناطق إلى نقاط جذب سياحي مؤهلة وآمنة.
ومن هذا المنطلق، شدد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، على ضرورة عدم وجود أي عوائق تمنع المواطنين والمصطافين من رؤية البحر بشكل مباشر في مدينة الإسكندرية.
وأكد الوزير أن مشروع حماية ساحل الإسكندرية، وتحديداً "المرحلة الثانية في منطقة غرب المحروسة"، يعد ركيزة أساسية لتأمين المنشآت الحيوية وحماية سواحلنا من التغيرات المناخية الغاضبة.
وأوضح أن المشروع يهدف بالأساس إلى إعادة إحياء الشواطئ الرملية مرة أخرى وتأهيلها بشكل كامل لاستقبال الجماهير، مع مراعاة التصميمات الهندسية الدقيقة التي تضمن الاستمتاع بالبحر دون حجب للرؤية، وذلك حفاظاً على الهوية البصرية والقيمة السياحية الفريدة لثغر الإسكندرية التي تشكل جزءاً من وجدان المصريين.
الحلول الهندسية المطبقة
وقد تجلت عبقرية الحلول الهندسية المطبقة في هذا المشروع من خلال الاعتماد على تقنية "الحواجر الغاطسة" لحماية الشاطئ من تلاطم الأمواج العنيفة. وتتميز هذه الحواجز بأنها تؤدي دورها الحمائي بكفاءة عالية دون أن تظهر فوق سطح الماء لتعوق الرؤية.
وأسهمت هذه الحواجز بالفعل في حماية الشواطئ بالمنطقة خلال النوات الشديدة الأخيرة التي ضربت المدينة، حيث امتصت طاقة الأمواج العاتية وقللت من اندفاعها نحو اليابسة.
ولم يقتصر دور الحواجز الغاطسة على الحماية الإنشائية فقط، بل امتدت فوائدها لتشمل الجانب البيئي والسياحي، إذ ساهمت بشكل ملحوظ في تجدد مياه البحر بانتظام والحفاظ على نوعيتها ونظافتها، إلى جانب توفير مساحات شاطئية هادئة وآمنة تماماً لممارسة السباحة من قبل المصيفين، مما يعيد للأذهان أمجاد الإسكندرية كمصيف عائلي آمن.
وفيما يتعلق بالجدول الزمني لتنفيذ هذا الشريان الحمائي والتنموي، فإنه وفقاً للبرنامج الزمني الأصلي والمخطط له مسبقاً، كان من المقرر نهو كافة أعمال المشروع في شهر أبريل من عام 2028، ولكن مع معدلات التنفيذ المرتفعة والجهود الاستثنائية الحالية المبذولة في الموقع، فإنه من المتوقع والمنتظر نهو تلك الأعمال بشكل كامل وبلوغ التسليم النهائي بنهاية عام 2027، ليضرب المشروع مثالاً في سرعة الإنجاز والالتزام.
وفي لفتة تعكس حرص الوزارة على البعد الاجتماعي والنشاط الاقتصادي المحيط، وجه وزير الموارد المائية والري الهيئة العامة لحماية الشواطئ وطاقم العمل بالموقع بضرورة التنسيق الكامل والمستمر مع أجهزة محافظة الإسكندرية المختصة بخصوص مواعيد العمل اليومية وفترات التشغيل، وذلك لمراعاة ذروة نشاط المصيفين خلال موسم الصيف وعدم إعاقة استمتاعهم بالشواطئ أو التأثير سلباً على الحركة السياحية والتجارية بالمنطقة.
وتسعى الدولة المصرية عبر أجهزتها المختلفة لتحقيق مستهدفات جغرافية واسعة عبر هذا المشروع؛ حيث تهدف عملية "حماية ساحل الإسكندرية - المرحلة الثانية غرب المحروسة" في مداها القريب إلى اكتساب مساحة شاطئية جديدة بطول 600 متر وعرض 50 متراً.
وتعد هذه المرحلة جزءاً من رؤية استراتيجية أشمل وأكبر لاستعادة الشواطئ بطول 2.60 كيلومتر وبعرض 50 متراً، وهي المناطق التي تعرضت للتآكل الشديد والنحر سابقاً في منطقتي سيدي بشر ولوران، وتحديداً في المسافة الممتدة من منطقة بئر مسعود الشهيرة وحتى منطقة النوادي.
ولا تتوقف طموحات الدولة عند هذا الحد، بل تستهدف الوزارة في خططها المستقبلية القريبة حماية المنطقة الممتدة من سيدي جابر وحتى الميناء الشرقي بطول 3.7 كيلومتر وعرض 50 متراً، وذلك بهدف اكتمال حماية مدينة الإسكندرية بالكامل من أخطار التغيرات المناخية، مما يؤكد عزم الدولة المصرية الراسخ على مجابهة الطبيعة القاسية وحماية أراضيها وشواطئها بكل السبل المتاحة.
ولضمان استدامة هذه المشروعات الكبرى ومواكبتها للمعايير العلمية الحديثة، تقوم أجهزة وزارة الموارد المائية والري باستخدام أحدث التقنيات التكنولوجية وأنظمة الاستشعار عن بعد لمراقبة تآكل الشواطئ وتغيراتها الخطية على مدار الساعة، ومتابعة آثار التغيرات المناخية ورصد منسوب سطح البحر بدقة.
كما تحرص الوزارة على الاستعانة بالخبرات الدولية المرموقة في هذا المجال البيئي الحرج، بالتعاون والتنسيق المستمر مع الجامعات المصرية والمراكز البحثية والهيئات الدولية المتخصصة في علوم البحار وحماية الشواطئ. وتأتي هذه المنظومة العلمية المتكاملة لتدعم الحلول الهندسية وتضمن أن يتم التنفيذ وفقاً لأسس بيئية مستدامة تحافظ على التوازن البيولوجي الدقيق للمنطقة الساحلية.
جدير بالذكر أن هذه التجربة الرائدة في الإسكندرية لا تعمل بشكل منعزل، بل هي امتداد لنجاحات سابقة حققتها أجهزة وزارة الري؛ حيث نفذت بالفعل مشاريع صديقة للبيئة وذات كفاءة عالية لحماية 69 كيلومتراً من شواطئ الدلتا المهددة في خمس محافظات ساحلية رئيسية هي: (بورسعيد، ودمياط، وكفر الشيخ، والدقهلية، والبحيرة)، حيث ساهمت تلك المشروعات القومية في حماية استثمارات بمليارات الجنيهات وقرى كاملة من الغرق.
واختتم وزير الري تصريحاته بالإشادة بحجم التنسيق الميداني العالي والتعاون المثمر والبناء بين الأجهزة التنفيذية لمحافظة الإسكندرية والوزارة، ممثلة في الهيئة المصرية العامة لحماية الشواطئ، مثمناً الجهود الكبيرة والحلول التكنولوجية والهندسية المتطورة التي تبذلها الشركات الوطنية المنفذة في مواجهة التحديات الميدانية والظروف الجوية الصعبة بالموقع، مما يؤكد تلاحم كافة جهود الدولة البحثية والتنفيذية لصون مقدرات الوطن.