دفي مهنة الصحافة والإعلام، اعتدنا أن نلاحق الخبر وأن نرصد الحدث، وأن ننقل للناس ما يجري حولهم، لكن هناك لحظات يكتشف فيها الكاتب أن الواقع نفسه تجاوز قدرته على الوصف، وأن حجم ما يُنجز على الأرض أصبح أكبر من أن تحتويه العناوين أو التقارير أو حتى المقالات الطويلة.
خلال الفترة الماضية، حرصت على متابعة ما يصدر عن مؤسسات الدولة المصرية من بيانات رسمية موثقة، وما يُنشر عبر الصفحات الرسمية لرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والوزارات المختلفة، لم تكن متابعة عابرة أو قراءة سريعة للأخبار اليومية، بل محاولة جادة لفهم الصورة الكاملة؛ كيف تتحرك الدولة؟ وإلى أين تتجه؟ وما الذي تحقق بالفعل على أرض الواقع؟
والحقيقة التي خرجت بها بعد هذه المتابعة أن مصر تخوض واحدة من أكبر عمليات البناء والتنمية في تاريخها الحديث، وربما في تاريخها كله. فالأمر لم يعد متعلقًا بمشروع هنا أو طريق هناك، بل برؤية متكاملة لإعادة بناء الدولة المصرية الحديثة في كل القطاعات تقريبًا.
وعندما نتحدث عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، فإننا لا نتحدث فقط عن رئيس يدير شؤون الحكم، بل عن قائد تبنى مشروعًا وطنيًا واسع النطاق، قائمًا على فكرة أساسية مفادها أن المستحيل ليس قدرًا، وأن الإرادة الوطنية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى دوافع للعمل والإنجاز.
لقد مرت مصر خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية بظروف استثنائية؛ اضطرابات إقليمية، وأزمات اقتصادية عالمية، وجائحة غير مسبوقة، وصراعات تهدد استقرار المنطقة بأكملها. ومع ذلك لم تتوقف عجلة البناء، ولم تتراجع خطط التنمية، بل استمرت الدولة في تنفيذ مشروعات عملاقة في البنية التحتية والطاقة والنقل والإسكان والتعليم والصحة والصناعة والزراعة والتكنولوجيا.
وكلما تعمقت في متابعة التفاصيل، ازداد شعوري بأننا ــ كإعلاميين وكتاب ومثقفين ــ لم ننجح بعد في تقديم الصورة الكاملة للرأي العام. ليس لأن الإنجازات غير موجودة، بل لأن حجمها واتساعها وسرعة تنفيذها تجعل مهمة توثيقها وشرحها للناس أكثر صعوبة وتعقيدًا.
وهنا تبرز قضية بالغة الأهمية، وهي مسؤولية الإعلام الوطني. فالإعلام الحقيقي ليس منصة للضجيج، وليس ساحة للصراعات الافتراضية، بل هو مؤسسة وعي ومعرفة. ومن واجبنا المهني والأخلاقي أن نقترب من الحقائق، وأن ننقلها بأمانة، وأن نميز بين النقد الموضوعي الذي يهدف إلى التطوير، وبين الإنكار الذي يتجاهل الوقائع مهما كانت واضحة.
إن أمانة الكلمة تفرض علينا أن نكون منصفين. والإنصاف لا يعني المجاملة، كما أن الموضوعية لا تعني التجاهل. فالإنجاز حين يتحقق يصبح جزءًا من الحقيقة، والحقيقة يجب أن تُقال كاملة دون انتقاص أو تهويل.
لقد علمتنا التجارب أن بناء الدول لا يحدث بين ليلة وضحاها، وأن الأمم الكبرى تُقاس بما تتركه من بنية ومؤسسات وإنجازات للأجيال القادمة. وما تشهده مصر اليوم هو عملية تأسيس واسعة النطاق تستهدف بناء دولة قوية وحديثة وقادرة على المنافسة والصمود في عالم شديد الاضطراب.
ومن هنا فإن الواجب لا يقع على الدولة وحدها، بل على كل صاحب قلم وكل صاحب منبر وكل من يملك القدرة على التأثير في الوعي العام. علينا أن نقرأ أكثر، وأن نبحث أكثر، وأن نقترب من الحقائق أكثر، لأن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة البناء.
قد نختلف في الرؤى والتقديرات، وقد تتباين المواقف السياسية، لكن ما لا يجوز أن نختلف عليه هو احترام الحقيقة والاعتراف بالجهد والعمل والإنجاز عندما يكون حاضرًا وملموسًا أمام الجميع.
إن مصر تكتب فصلًا مهمًا من تاريخها المعاصر، وستحكم الأجيال القادمة على هذه المرحلة بما تحقق فيها من بناء وتنمية وإرادة وطنية. أما نحن، فمسؤوليتنا أن نكون شهودًا أمناء على هذا التاريخ، وأن ننقل للأجيال القادمة ما جرى بصدق وتجرد وإنصاف.
وإذا كانت الأمم تُقاس بما تبنيه لا بما تقوله، فإن ما تحقق على أرض مصر خلال السنوات الماضية لم يعد مجرد أرقام أو مشروعات، بل أصبح حقيقة راسخة تفرض نفسها على الواقع والتاريخ، شاهدة على إرادة دولة اختارت البناء في زمن الأزمات، والإنجاز في مواجهة التحديات، وصناعة المستقبل بثقة لا تعرف المستحيل.