بخيت الواحى

لصوص الأفكار

الجمعة، 05 يونيو 2026 07:38 م


هناك نوع من السرقة لا تعاقب عليه القوانين بالقدر الذي يستحقه ولا تلتقطه كاميرات المراقبة ولا يترك وراءه أبوابًا مكسورة أو خزائن مفتوحة، ومع ذلك فهو من أكثر أنواع السرقة قسوة وألمًا إنها سرقة الأفكار.


الفكرة لا تولد في لحظة فإنه وراء كل فكرة ساعات طويلة من التفكير والتجربة والبحث والقلق والسهر، أحيانًا يعيش الإنسان مع فكرة شهورًا وربما سنوات يحملها معه أينما ذهب، يطورها ويعيد صياغتها ويضيف إليها، ويحذف منها حتى تصبح جزءًا من روحه، ثم يأتي شخص آخر ليستمع إليها في جلسة عابرة أو اجتماع عمل أو حديث ودي ثم يخرج بها وكأنها ملكه.


والمؤلم أن سارق الفكرة لا يسرق كلمات فقط بل يسرق وقتًا وجهدًا وحلمًا يسرق لحظات من العمر لن تعود يسرق شعورًا جميلًا كان ينتظر صاحبه يومًا بعد يوم وهو يرى مشروعه يكبر أمام عينيه.


بعض الناس يخلطون بين الإلهام والسرقة الإلهام أن تستفيد من تجربة غيرك وتبني عليها شيئًا جديدًا  أما السرقة فهي أن تأخذ ما ليس لك ثم تنسبه لنفسك  الإلهام إبداع، أما السرقة فهروب من الإبداع. والغريب أن كثيرًا من لصوص الأفكار ينجحون في البداية  يحصلون على التصفيق ويجلسون في الصفوف الأولى ويتحدث الناس عن إنجازاتهم، لكن النجاح المبني على السرقة يشبه بيتًا بُني فوق الرمال قد يبدو قويًا لبعض الوقت، لكنه لا يملك جذورًا حقيقية.


أما صاحب الفكرة الأصلي فيعيش صدمة مضاعفة، صدمة ضياع حقه وصدمة رؤية الآخرين يصفقون لمن سرق مجهوده، وربما تكون الصدمة الأكبر عندما يحاول أن يشرح الحقيقة، فلا يصدقه أحد، فالناس عادة ترى النتيجة ولا ترى الرحلة الطويلة التي سبقتها.


ولهذا السبب تعلمت الحياة كثيرًا من المبدعين درسًا مهمًا ليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله، وليس كل ما تخطط له يجب أن تعلنه، هناك أفكار تحتاج إلى الصمت أكثر مما تحتاج إلى الكلام  وهناك مشروعات يكون الإفصاح المبكر عنها أكبر خطر يهددها.


ليس المقصود أن يتحول الإنسان إلى شخص شكاك يخاف من الجميع، لكن الحكمة تقتضي أن يعرف الإنسان من يستحق أن يشاركه أحلامه ومن لا يستحق فالثقة شيء ثمين لكنها لا تمنح بلا حساب.


كم من مشروع خرج إلى النور باسم غير صاحبه الحقيقي، وكم من موظف اجتهد لسنوات ثم جاء آخر في اللحظة الأخيرة لينسب العمل لنفسه وكم من مبدع رأى فكرته تتصدر المشهد بينما يقف هو بعيدًا لا يملك سوى الحسرة.


لكن الحقيقة التي لا تتغير أن الفرق بين المبدع والسارق فرق كبير جدًا المبدع يستطيع أن يبتكر مرة واثنتين وعشر مرات، أما السارق فيحتاج دائمًا إلى ضحية جديدة. المبدع يملك المنجم، أما السارق فلا يملك سوى ما يسرقه من المنجم. وقد يسرق أحدهم فكرة منك وقد يستفيد من جهدك، وقد يحاول أن يخطف الأضواء لنفسه لكن ما لا يستطيع سرقته أبدًا هو عقلك الذي أنجب الفكرة لا يستطيع سرقة موهبتك ولا خبرتك ولا قدرتك على الابتكار من جديد.


لذلك احفظ أفكارك جيدًا لا تمنحها لمن لا يقدر قيمتها، واعمل عليها في صمت حتى تكتمل ملامحها  وعندما يحين وقت ظهورها دع إنجازك يتحدث عنك. فاللص قد يسرق فكرة واحدة لكنه لن يستطيع أبدًا أن يسرق عقلًا قادرًا على إنتاج ألف فكرة أخرى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة