لأول مرة في تاريخها الموحد.. ألمانيا تُطرد من مجلس الأمن.. والبرتغال والنمسا تنتزعان المقعدين في صفعة تعكس تراجع النفوذ الأوروبي وصعود "الجنوب العالمي".. غزة وأوكرانيا أبرز الأسباب.. ومن يسيطر على المشهد الآن؟

الأحد، 07 يونيو 2026 03:00 ص
لأول مرة في تاريخها الموحد.. ألمانيا تُطرد من مجلس الأمن.. والبرتغال والنمسا تنتزعان المقعدين في صفعة تعكس تراجع النفوذ الأوروبي وصعود "الجنوب العالمي".. غزة وأوكرانيا أبرز الأسباب.. ومن يسيطر على المشهد الآن؟ مجلس الأمن

فاطمة شوقى

في مشهد دبلوماسي وصفه المراقبون بـ"الصفعة التاريخية"، ولأول مرة منذ إعادة توحيد ألمانيا، فشلت برلين في الفوز بمقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي، بعد أن حصلت على 104 أصوات فقط في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أي أقل بـ 23 صوتاً من النصاب المطلوب (127 صوتاً من أصل 193)، بينما ذهب المقعدان المخصصان لمجموعة أوروبا الغربية إلى البرتغال (134 صوتاً) والنمسا (131 صوتاً).

هذه الهزيمة ليست مجرد خسارة دبلوماسية عابرة، بل هي انعكاس لتحولات عميقة في ميزان القوى العالمي، ورسالة واضحة من دول "الجنوب العالمي" بأنها لم تعد تقبل بسياسة القيم الأحادية التي تتبناها ألمانيا والدول الغربية الكبرى منذ سنوات. إنها اللحظة التي أعلنت فيها دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية أن أصواتها لم تعد رخيصة، وأن أي دولة تطمح إلى مقعد في مجلس الأمن يجب أن تتحدث بلغة المصالح المشتركة، وليس لغة التبشير الأخلاقي الانتقائي.

 

كيف جرى التصويت ومن هي الدول الفائزة؟

انتُخبت خمس دول جديدة لعضوية مجلس الأمن لفترة 2027-2028، وهي: البرتغال 134 صوتا ، والنمسا 131 صوتا وزيمبابوى بأكثر من 189 صوتا لأول مرة فى تاريخها ، وترينيداد وتوباجو بأكثر من 180 صوتا، وقيزغستان 143 صوتا مقابل 49 للفلبين.

هذه الدول ستحل محل كل من: اليونان، الدنمارك، باكستان، بنما، والصومال، الذين تنتهي فترتهم في 31 ديسمبر 2026.

 

آلية التصويت: لماذا 104 أصوات غير كافية؟

يتكون مجلس الأمن من 15 دولة: 5 دائمة العضوية (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا) و10 غير دائمة تُنتخب لمدة عامين. للفوز بمقعد غير دائم، تحتاج الدولة إلى ثلثي أصوات الجمعية العامة (127 صوتاً على الأقل). ألمانيا حصلت على 104 فقط، أي أقل بـ 23 صوتاً من العدد المطلوب، في مؤشر على أن حملتها الدبلوماسية فشلت في إقناع 89 دولة على الأقل بعدم التصويت لها أو التصويت لصالح منافسيها.

 

لماذا خسرت ألمانيا؟

يرى محللون سياسيون أن الدبلوماسية الألمانية فقدت "التعاطف، والاعتدال، والرغبة في حل الأزمات الدولية بناءً على فهم جذورها"، وراهنت ألمانيا على "سياسة القيم" على حساب المصالح، وهو ما أدى إلى نفور دول الجنوب العالمي – آسيا، إفريقيا، وأمريكا اللاتينية – التي كانت ترى فيها سابقاً شريكاً اقتصادياً جذاباً يتمتع بقوة ناعمة. فبدلاً من أن تكون وسيطاً محايداً، تحولت برلين إلى حامية لمواقف غربية متطرفة في نظر الكثير من دول العالم النامي.

 

الموقف من حرب غزة (العامل الأكثر إثارة للجدل)

واعترف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول صراحةً أن موقف بلاده الداعم لإسرائيل كان سبباً رئيسياً في الخسارة. رفض ألمانيا الاعتراف بدولة فلسطين – خلافاً لغالبية أعضاء الأمم المتحدة – جعلها تبدو في نظر الدول العربية والإسلامية ودول الجنوب العالمي كدولة منحازة بشكل أعمى، وتتناقض مع مبادئ القانون الدولي التي تدّعي الدفاع عنها. في وقت كانت فيه صور الدمار في غزة تملأ الشاشات، وقفت ألمانيا في الصف الأمامي للدفاع عن إسرائيل، دون أي موازنة نقدية، وهو ما كلفها ثمناً باهظاً في صناديق الاقتراع.

 

التدخل الروسي

اتهم فاديفول الكرملين صراحةً بـ"إثارة المشاعر ضد ألمانيا" وشَن حملة سياسية مستهدفة لإبعادها عن مجلس الأمن، بسبب دعم برلين القوي لأوكرانيا. روسيا، التي تشعر بالغضب من العقوبات والدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، استخدمت نفوذها الدبلوماسي لتقويض حظوظ ألمانيا، بالتنسيق مع دول صديقة لها في آسيا وإفريقيا، في لعبة دبلوماسية بارعة أظهرت أن موسكو لا تزال قادرة على ضرب المصالح الغربية حتى خارج ساحات المعارك.

 

ضعف الحملة الدبلوماسية

خلافاً للبرتغال والنمسا اللتين أرسلتا رؤساء دولتهما وحكومتهما للترويج لترشيحاتهما في نيويورك، فإن المستشار الألماني فريدرش ميرتس ظل في برلين خلال مرحلة حاسمة من الحملة، وهو ما اعتُبر "خطأ تكتيكياً فادحاً" من قبل دبلوماسيين ألمان معنيين بالشأن الأممي. إضافة إلى ذلك، أعلنت النمسا والبرتغال ترشيحهما قبل ألمانيا بسنوات، مما أتاح لهما وقتاً أطول لبناء تحالفات ووعود دبلوماسية، بينما انطلقت الحملة الألمانية متأخرة وبزخم أقل.

 

الموقف من أوكرانيا: حرب بالوكالة أم دفاع عن الشرعية؟

ورغم أن الموقف الألماني الداعم لأوكرانيا جلب تأييد الغرب وحلف شمال الأطلسي، إلا أنه في نظر دول الجنوب العالمي (الهند، جنوب إفريقيا، البرازيل، إندونيسيا) جعل ألمانيا تبدو كدولة تخوض حرباً بالوكالة عن أمريكا، تضخ أسلحة إلى أوكرانيا وتصعد العقوبات على روسيا بدلاً من الدعوة الجادة للحوار والسلام. هذه الدول ترى أن الحرب في أوكرانيا هي صراع بين قوى كبرى يُدفع ثمنه من قبل الدول النامية عبر ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وبالتالي فإن دعم ألمانيا غير المشروط لكييف لم يكن وسيلة لكسب أصواتها.

 

من يسيطر على المشهد بدلاً من ألمانيا؟

الإجابة: لا توجد دولة واحدة "مسيطرة" – لأن مجلس الأمن ليس به "مقعد ألماني" ثابت ولا مقعد دائم لأي دولة أوروبية غير فرنسا وبريطانيا. لكن التغيير الجوهري الذي حدث يتمثل في ثلاثة أمور:

صعود "الجنوب العالمي": المقعدان الأوروبيان ذهبا إلى دول صغيرة (البرتغال والنمسا) بدلاً من القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا. وهذا يعني أن النفوذ الأوروبي في المجلس تراجع لصالح دول إفريقية وآسيوية، خاصة مع دخول زيمبابوي وقيرغيزستان لأول مرة في تاريخهما إلى مجلس الأمن، ما يعيد تشكيل التوازنات داخل المجلس.

الدول الخمس دائمة العضوية لا تزال تسيطر: أمريكا، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا لا يزال لديهم حق الفيتو – السلطة الحقيقية في مجلس الأمن. لكن غياب ألمانيا يعني أن الصوت الأوروبي الموالي لأمريكا أصبح أضعف، بينما زادت فرص التنسيق الروسي-الصيني لكسب تأييد الأعضاء الجدد في القضايا الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بسوريا وإيران وأوكرانيا.

البرتغال والنمسا كبديلين محايدين نسبياً: كلاهما دول محايدة تاريخياً (النمسا دولة حياد دستوري، والبرتغال ليست لديها نفس الالتزام الألماني بدعم إسرائيل أو أوكرانيا بنفس الحدة). هذا يعني أن ديناميكية التصويت في المجلس قد تتغير، خاصة في القضايا العربية والإفريقية، حيث قد تمتنع فيينا ولشبونة عن التصويت أو تدعمان مواقف أقل تشدداً مقارنة بما كانت ستفعله برلين.

 

التداعيات: ماذا تعني الخسارة لألمانيا والعالم؟

بالنسبة لألمانيا، تعد صفعة لطموحاتها العالمية: المستشار فريدرش ميرتس تعهد في حملاته الانتخابية بـ"إعادة ألمانيا إلى الساحة الدولية"، لكنه فشل في أول اختبار دبلوماسي كبير، مما يضعف موقفه داخلياً أمام المعارضة التي وصفت الخسارة بأنها "عار وطني".
بالنسبة للعالم:
إضعاف الكتلة الغربية داخل مجلس الأمن: الولايات المتحدة تفقد حليفاً قوياً وموثوقاً داخل المجلس، مما قد يمنح روسيا والصين مساحة أكبر للمناورة والتفاف على القرارات الغربية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة