ألم تكن أنت الذي رأيته منذ سنوات مضت، يهيم بين الحقول بروحه التواقة إلى الجمال؟
كنت تتنفس الهواء بعمق، وتقف عند كل طريق يمتد فيه بصرك إلى السماء، ويدك إلى النجوم. كنت تصالح كل شيء، وتحدث الأشجار، والنهر، والأزهار، وجذوع الأراك. كنت تصنع الشاي على الحطب، ثم تتساءل بين حين وآخر عن أشياء لا يلتفت إليها أحد.
أعلم أنه كنت أنت، فلماذا تختبئ اليوم خلف مجهول لا يمت إليك بصلة؟ هل آذاك أحد؟ لماذا لا تجيب؟
لا تحاول أن تخدعني وتقول إنني أخطأت. قد أخطئ في الجميع، لكنني لا أخطئ فيك. كنت الوحيد الذي يعزف، بينما كان الآخرون جميعًا ضجيجًا وأصواتًا عالية منكرة. أما أنت، فكنت لحنًا صاغه فنان عظيم، ولوحةً رائعة وسط بلدة كساها قبح الرياء.
أما تتذكر حين نظرت إليك، ولم تعبأ بي؟ كنت تعلم أن الجميع يخدعني، ومع ذلك لم تشاركهم خداعهم.
في إحدى الأمسيات القليلة التي عشتها هناك، خرجت أبحث عن هواء نقي بين مساحات العشب الخضراء، فرأيتك جالسًا، غارقًا في التفكير فيما يحيط بك. سألتك عن الطريق إلى المدينة، فأشرت إليه دون أن تنطق بكلمة. شعرت يومها أنك كنت تهرب إلى ذلك المكان لتغتسل في فضاء الهواء النقي، وأن الأيام قد هزمتك، فكنت تصفي روحك، وتعيد ترتيب حياتك، قبل أن تعود إلى الناس.
مرت سنوات، وهجرت كل ما يتعلق بتلك المدينة التي يملؤها القحط الروحي، لكنني لم أنسك قط. كنت الخميرة التي تُمهِّد للحياة، والروح التي تمنح المكان معنى.
ويبدو أنهم قتلوك... أو انتزعوا منك كل ما كان يسمو بك، ثم حطموا ذلك أمام عينيك.
إنني أراك بوجهك القديم، لكنني لا أرى الروح نفسها؛ فقد طمستها أيدي العابثين، أولئك الذين يسعون جاهدين إلى محو كل معلم جميل، وتحويل القبح إلى جامعة تضم تحت لوائها المشوهين من أمثالهم.
لكنك لن تكون واحدًا منهم.
ربما حاولوا... لكنك أيضًا لم تقاوم.
ابتعدت تحمل هزيمتك في داخلك، وأعلنت، في صراحة موجعة، أنك تبت عن رؤية الجمال، وعن تتبع أثره، وأنك اغتلته في نفسك كما اغتالوه هم. ضعفت كما ضعفوا، وكذبت كما صدقوا أكاذيبهم..
لكن نفسك لا تستطيع أن تتنصل من حقيقتها.
قد تغيرت هيئتك، لكن عينيك لم تستطيعا إخفاء ما بداخلك. لهما سلطان يفوق كل سلطان، وفيهما بريق لا تستطيع الأيام إطفاءه.
قل شيئًا...
اعترف بنفسك، وبما كنت عليه. أيقظها بعد محاولات الاغتيال الفاشلة، ولا تساعدهم أنت في ذبحك، ولا تكن شريكًا في قتلك..
لا تخشَ شيئًا.
فلو بقيت وحدك، فلن تضرك كثرتهم. إنهم غثاء كغثاء السيل، لا قيمة لهم مهما بلغ عددهم؛ فكثرتهم زائفة، وضجيجهم أجوف.
أقولها لك صراحة: أنت الفرصة الأخيرة.
فلا تذب فيهم حتى لا تعجز يومًا عن العودة إلى نفسك.
أفق...
ففي داخلك ما يزال وجه طفل، وروحه، قبل أن تمتد إليها الأيدي فتنتزعها منك.
وإلا فستمضي السنوات، ثم تنظر إلى نفسك، فلا تجد إلا جثة هامدة ملقاة على أرض الظلام، وعينين لا تبصران، وقلبًا لا يشعر.
وحينها لن يبقى إلا نعيق قلوبهم، يدوي في الأفق، يصم الآذان... ويقتل الروح.
خالد دومة