لم يعد اختطاف التلاميذ في نيجيريا مجرد وسيلة للحصول على الفدية، بل تحول إلى أحد أخطر التهديدات التي تواجه الدولة، بعدما أصبحت المدارس هدفاً مباشراً للجماعات الإرهابية والعصابات المسلحة.
وبينما اعتادت الولايات الشمالية على هذا النوع من الهجمات خلال العقد الماضي، جاءت عملية اختطاف عشرات التلاميذ والمعلمين من ثلاث مدارس بولاية أويو في الجنوب الغربي لتكشف عن مرحلة جديدة من الأزمة الأمنية، وتنذر بامتداد الإرهاب إلى مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب الأكثر استقراراً في البلاد.
وبعد نحو شهرين من الاحتجاز داخل الغابات الكثيفة، أعلنت السلطات النيجيرية نجاح عملية أمنية واسعة انتهت بتحرير جميع الرهائن، لكن العملية كشفت في الوقت نفسه حجم التحديات التي تواجهها الحكومة في مكافحة الجماعات المسلحة، بعدما أكدت أن الخاطفين استخدموا الأطفال كورقة ضغط على الدولة، وهددوا بقتلهم إذا حاولت القوات الأمنية اقتحام مواقع احتجازهم.
56 يوماً من الرعب انتهت بعملية أمنية معقدة
استمرت أزمة اختطاف تلاميذ ولاية أويو نحو 56 يوماً، منذ أن هاجم مسلحون ثلاث مدارس في منطقة أورييري بولاية أويو في منتصف مايو الماضي، قبل أن يقتادوا عشرات الأطفال والمعلمين إلى غابات متنزه أولد أويو الوطني، أحد أكبر الأحراش الطبيعية في جنوب غرب نيجيريا.
وأعلنت الرئاسة النيجيرية نجاح القوات الأمنية في تحرير 39 تلميذاً و6 معلمين، بعد عملية استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة، وأسفرت كذلك عن القبض على ثمانية من الخاطفين، بينما قُتل عدد آخر خلال المواجهات.
كما أكدت السلطات أن أحد المعلمين الذين اختطفوا مع الأطفال لقي مصرعه أثناء فترة الاحتجاز.
ولم تكن العملية مجرد تدخل عسكري مباشر، بل جاءت بعد أسابيع من جمع المعلومات وتتبع تحركات الخاطفين، في واحدة من أكبر العمليات الأمنية المشتركة التي شهدتها نيجيريا خلال السنوات الأخيرة.
عملية مشتركة شاركت فيها مختلف الأجهزة الأمنية
وكشفت السلطات أن عملية الإنقاذ شاركت فيها وحدات من الجيش والقوات الجوية والبحرية والشرطة وجهاز أمن الدولة ومكتب مستشار الأمن القومي، إلى جانب قوات "أموتيكون" الأمنية المحلية، ومجموعات الحراسة الأهلية والصيادين المحليين الذين ساعدوا في تعقب المسلحين داخل الغابات الوعرة.
وأكد الجيش، أن العملية اعتمدت على استهداف الشبكات اللوجستية للجماعة المسلحة، وتدمير مخابئها وطرق إمدادها، وهو ما أدى إلى عزل الخاطفين وإجبارهم في النهاية على إطلاق سراح الرهائن.
غير أن الجيش أعلن أيضاً سقوط خسائر في صفوف القوات المشاركة، دون الكشف عن عدد القتلى أو المصابين، وهو ما يعكس صعوبة المواجهات التي دارت داخل المناطق الحرجية التي استخدمها المسلحون كملاذ آمن، وفقا لوسائل إعلام محلية.
الأطفال خرجوا أحياء.. لكن آثار الصدمة لا تزال حاضرة
ورغم انتهاء الاحتجاز، فإن رحلة التعافي بالنسبة للأطفال لم تبدأ إلا الآن.
فقد زار حاكم ولاية أويو، سيي ماكيندي، التلاميذ داخل المستشفى العسكري، مؤكداً أن كثيراً منهم يعانون من ضعف شديد وإجهاد بدني ونفسي نتيجة فترة الاحتجاز.
وقال إن الأطفال كانوا سعداء باستعادة حريتهم، إلا أن حالتهم الصحية تتطلب تدخلاً طبياً وعلاجاً نفسياً للتعامل مع آثار الصدمة، مشيراً إلى أن بعض الأطفال كانوا يسألون باستمرار عن أسرهم، ومن بينهم طفلة صغيرة لم تتوقف عن طلب رؤية والدتها.
وتشير دراسات أممية إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للاختطاف يعيشون لفترات طويلة مع اضطرابات ما بعد الصدمة، والخوف المزمن، وصعوبات العودة إلى التعليم، وهو ما يجعل التأهيل النفسي جزءاً أساسياً من عمليات الإنقاذ.
كيف نفذت الجماعة المسلحة الهجوم؟
بحسب التحقيقات الأولية، اقتحم المسلحون المدارس الثلاث في وقت متزامن وهم يرتدون زياً عسكرياً، ما أربك السكان وأخر رد فعل قوات الأمن.
واستخدم المهاجمون دراجات نارية وأسلحة آلية، قبل أن يقتادوا الأطفال والمعلمين عبر مسارات وعرة إلى داخل غابات متنزه أولد أويو الوطني، حيث أنشأت الجماعة عدداً من المعسكرات والمخابئ التي استخدمت سابقاً في عمليات تهريب السلاح وإيواء المسلحين.
ويرجح مسئولون أمنيون أن الخاطفين تعمدوا اختيار المنطقة بسبب صعوبة تضاريسها واتساع مساحتها، وهو ما منحهم القدرة على التنقل بعيداً عن أعين القوات الحكومية.
من هي جماعة "أنصارو"؟
وجهت السلطات النيجيرية أصابع الاتهام إلى جماعة "أنصارو" بالوقوف وراء عملية اختطاف التلاميذ والمعلمين في ولاية أويو، وهي جماعة متشددة انشقت عن بوكو حرام عام 2012، وتدين بالولاء لتنظيم القاعدة، وتتبنى أساليب أكثر تنظيماً في تنفيذ عمليات الاختطاف والهجمات المسلحة.
وعلى الرغم من أن نشاط الجماعة ظل لسنوات متركزاً في شمال ووسط نيجيريا، فإن الهجوم على ولاية أويو، الواقعة في الجنوب الغربي، أثار مخاوف أمنية من انتقال نفوذ التنظيم إلى مناطق كانت تُصنف ضمن الأكثر استقراراً، خاصة مع استغلاله الغابات الممتدة في متنزه "أولد أويو الوطني" لإقامة معسكرات ومخابئ بعيدة عن أعين قوات الأمن.
و طورت الجماعة خلال السنوات الأخيرة تعاوناً مع عصابات الخطف المحلية، وهو ما منحها قدرة أكبر على التحرك خارج معاقلها التقليدية، وجعل عمليات الاختطاف تمثل أحد أهم مصادر تمويلها إلى جانب تجارة السلاح والابتزاز.
كيف انتقلت عمليات الاختطاف إلى جنوب غرب نيجيريا؟
لسنوات طويلة ارتبطت عمليات الاختطاف الجماعي للطلاب بولايات شمال نيجيريا، مثل بورنو وكادونا وكاتسينا وزامفارا والنيجر، حيث تنشط جماعة بوكو حرام والعصابات المسلحة المعروفة محلياً باسم "قطاع الطرق".
لكن هجوم أويو مثّل نقطة تحول، إذ وقع في منطقة تضم مدينة إبادان، أحد أكبر المراكز التعليمية في نيجيريا، وعلى مقربة من ولاية لاجوس، العاصمة الاقتصادية للبلاد، الأمر الذي أحدث صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية والشعبية.
ويرجع محللون هذا التوسع إلى الضغط العسكري المتزايد على الجماعات المسلحة في شمال شرق البلاد، ما دفع بعض عناصرها إلى البحث عن مناطق جديدة أقل رقابة أمنية، مستغلين المساحات الغابية الشاسعة التي تربط ولايات الوسط بالجنوب الغربي.
كما ساعدت الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وضعف الوجود الأمني في بعض المناطق الريفية على توفير بيئة مواتية لتمدد الجماعات المسلحة واستقطاب عناصر جديدة.
من تشيبوك إلى أويو.. مسلسل لم يتوقف
لم تكن مأساة أويو الأولى في تاريخ نيجيريا، لكنها أعادت إلى الأذهان واحدة من أكثر الجرائم التي هزت العالم، عندما اختطفت جماعة بوكو حرام 276 طالبة من مدرسة تشيبوك بولاية بورنو في أبريل 2014، في حادثة أطلقت الحملة العالمية "أعيدوا فتيات تشيبوك". وحتى اليوم لا يزال عدد من الطالبات في عداد المفقودات.
ومنذ ذلك التاريخ، تكررت عمليات الاختطاف بصورة لافتة، حيث شهدت البلاد عشرات الهجمات على المدارس، من بينها اختطاف 110 طالبات في دابتشي عام 2018، ثم مئات الطلاب في ولايات كاتسينا وزامفارا والنيجر بين عامي 2020 و2025، قبل أن تتجدد الأزمة خلال عام 2026 في ولايتي أويو وبورنو.
وتؤكد هذه الوقائع أن المدارس تحولت إلى أهداف سهلة بالنسبة للجماعات المسلحة، التي تستخدم الأطفال وسيلة للضغط على الحكومة أو للحصول على مبالغ مالية ضخمة مقابل إطلاق سراحهم.
الخطف... اقتصاد موازٍ يمول الجماعات المسلحة
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت عمليات الاختطاف في نيجيريا نشاطاً إجرامياً يدر ملايين الدولارات سنوياً، سواء عبر دفع الفدية أو من خلال استخدام الرهائن كورقة تفاوض مع الحكومة.
وقال وزير الدفاع النيجيري إن خاطفي تلاميذ أويو حاولوا استخدام الأطفال للضغط على الحكومة من أجل الإفراج عن بعض قادة الجماعة المحتجزين، كما هددوا بقتل الرهائن إذا حاولت القوات الأمنية اقتحام مواقع احتجازهم.
وأشارت السلطات إلى أن العملية الأمنية لم تعتمد على التفاوض المباشر، بل ركزت على تفكيك شبكات الدعم اللوجستي للجماعة، واعتقال عناصرها في عدة ولايات، وهو ما أدى إلى إضعافها وإجبارها في النهاية على إطلاق سراح التلاميذ والمعلمين دون شروط.
أزمة تهدد التعليم ومستقبل جيل كامل
لا تتوقف تداعيات عمليات الاختطاف عند الخسائر البشرية، بل تمتد إلى قطاع التعليم بأكمله.
فبعد حادثة أويو، شهدت الولاية إضراباً للمعلمين، بينما فضلت أسر كثيرة إبقاء أطفالها في المنازل خوفاً من تكرار الهجمات، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث في الولايات الشمالية، حيث أغلقت مئات المدارس أبوابها خلال السنوات الماضية بسبب المخاوف الأمنية.
وتحذر منظمات الأمم المتحدة من أن استمرار استهداف المدارس يهدد بحرمان ملايين الأطفال من التعليم، ويزيد من معدلات التسرب الدراسي، ويعمق أزمات الفقر والتجنيد في الجماعات المسلحة، بما يخلق دائرة جديدة من العنف يصعب كسرها.