ربما ينكر البعض تأثيرات مواقع التواصل على أنواع مختلفة من الصحافة، لكن الواقع أن التأثيرات تتجاوز المستوى الطبيعى أو الممكن لتصل إلى قلب عملية إنتاج الأخبار والمواد على صفحات إلكترونية يفترض أنها تقدم نفسها على أنها صحف، حيث تسيطر النميمة على المجال كله وتسود المواد الخفيفة والمثيرة بصرف النظر عن أهميتها، بجانب أن هناك برامج وإعلاميين أصبحوا يشاركون فى هذه الزفة بشكل متعمد أو شبه متعمد، ومن أقرب الأمثلة على هذا قضية محامية سوهاج التى صدر قرار بوقفها عن العمل وانتشرت لها بوستات وفيديوهات وانخرطت بعض المواقع المفترض أنها إخبارية فى عمليات تنمر ضد الفتاة الصغيرة، وغابت الحقيقة تماما بمزاعم مختلفة، بل إن بعض الكتاب شاركوا بشكل مباشر فى التنمر على الصور والمشاهد من دون أن يكلف أى من هذه المواقع نفسه بنشر معلومات يفترض أن تقدم، لكن كالعادة لم تعد المعلومة هى الأساس، بل اللقطة والإسراع فى فتح مجالات التعليقات والتنمر.
أبسط معلومة أن المحامية اسمها «لقى» لكنها تحولت إلى «لؤة» إمعانا فى تسطيح الموضوع، ثم إنه لا النقابة الفرعية ولا العامة أعلنت سببا واضحا لمعاقبة الفتاة، وبالتالى تحول الموضوع إلى ملاسنات ما كان يفترض أن يغرق فيها من هم كبار أو نقابيون، ولما خرجت تتحدث مارس كثيرون أنواعا من التعليقات غير اللائقة والسخيفة، بل إن هناك من كتب مقالات عما أسماه الفلاتر بشكل غادر الموضوع، وأصبحت كثير من التعليقات تدخل ضمن السب والقذف وكل هذا بشراكة واضحة من مواقع أو صفحات يصدرها ويشرف عليها منتسبون للصحافة.
مثال آخر موضوع المنتخب واللاعبين، وكيف تحول الأمر إلى مجال لصراعات ونميمة، وهجمات مضادة غطت على الفكرة أو الموضوع لصالح منتجات بدت إفرازا غير مناسب، ثم طبعا تم استدعاء المعلقين المعروف عنهم التنمر وإطلاق الألفاظ والتعليقات، ومنهم كاراكتر يطلقه من يريدون التريند ليضاعف من اللت والعجن، وداخل كل هذا لا تسلية ولا فكرة ولا خبير، فقط نميمة ومزيد من النميمة، وهى عملية لا تقتصر على مواقع التواصل وإنما تتسع لتشمل المواقع سواء المعلن منها أو « بير السلم» ضمن عملية لم يعد ممكنا الفصل فيها بين الحقيقة أو النميمة.
ونعود إلى الفكرة الأساسية وهى أن هناك بالفعل قضايا تتعلق بالإعلام والصحافة، تتجاوز العناوين البراقة أو الكلام المكرر إلى علامات وأعراض لأمراض تنتقل كالفيروسات إلى عالم الصحافة والمواقع، حيث يسيطر التريند على الجميع، ولم يعد هناك إلا قليلون يهتمون بالأساس وهو المعلومة، بل وتختلط المعلومات بالنميمة، وأصحبت المواقع ضمن جوقة صناعة الضجة والهيصة، نحن أمام مواقع وقنوات تشبه المواقع والقنوات، وأشخاص يشبهون مذيعين أو صحفيين، يستضيفون أشخاصا وكاركترات ويروجون لما يجذب مشاهدات، تختفى الحقيقة خلف الغبار ويسود التريند على كل ما عداه، ثم يتساءل بعض أصحاب ومديرى هذه المواقع عن أسباب انصراف الناس عن الصحافة إلى النميمة والتفاهة، ليضيق المجال العام لصالح التريندات وأنصاف المعلومات والأكاذيب، ويسود بعض صناع الكذب فى الاقتصاد أو السياسة ممن يعيدون صياغة الأحداث والوقائع على طريقتهم ومقاسهم، ولا يختلف هؤلاء عن مدعى الاقتصاد أو الوزير الأسبق الذى يحاول حكاية تاريخ قريب بزاوية يحول نفسه إلى بطل بينما كان شريكا فى صناعة الغضب.
كل هذه التفاصيل تشير إلى أهمية فتح مجالات لحوار حقيقى يتعامل مع المشكلات والتداخل والتقاطع، خاصة أن هناك موضوعات أو أنواعا من المنتجات تحمل أكاذيب من دون أن تشكل جريمة.
