عصام محمد عبد القادر

ثورة 1952 وملامحها على واقعنا المعاصر

الأربعاء، 22 يوليو 2026 01:28 ص


تظل مسيرة كفاح الشعوب مَعينًا لا ينضب من الدروس والعبر؛ حيث تجني الأوطان ثمارها اليانعة في دروب التحرير والتنمية وبناء المستقبل، وهي التي تخرج بالبلاد من غيابات الظلام إلى فضاءات النور الذي يملأ النفوس ويضيء القلوب الساعية لبلوغ أمانيها المشروعة؛ وفي هذا السياق التاريخي الممتد نستحضر ذلك اليوم المجيد الذي أعلن فيه بصوت جلجل أركان المحروسة إسقاط الملكية؛ لتبدأ مرحلة النظام الجمهوري الساعي لإرساء قيم العدل والمساواة وإعلاء كرامة الإنسان على تراب وطنه، وصون كرامته وتوفير قوت عيشه من الأرض التي ترعرع في ثراها وسالت عليها دماء شهدائه الأبرار على مر العصور الممتدة.

تأسست دعائم ثورة الثالث والعشرين من يوليو على رغبة حقيقية في تمكين المواطن المصري من كينونته؛ فأصبحت له أملاك وأرض يستزرعها وينعم بخيراتها جراء عرق جبينه وجهوده المضنية، بعد أن قضت الثورة المباركة على كل ألوان الإقطاع الذي مثل لقرون هتكًا لحقوق الشعب واقتناصًا لثرواته لصالح فئة بعينها ارتضت الاستئثار بمقدرات الوطن دون مراعاة لمعاني الاندماج الاجتماعي والتكافل؛ فقد كانت العطايا والمنح الملكية في الماضي وسيلة لقهر القلوب وسلب الإرادة، وغابت معها العدالة والمساواة وسط طبقية مقيتة عانى منها الكادحون الذين يمثلون اللبنة الحقيقية لبناء هذا المجتمع المتفرد بأطيافه، التي ترفض الذل وتبحث عن سبل النهوض والرفعة وبناء مجتمع تسوده العدالة المطلقة.

صاغ الرجال الشرفاء من أبناء القوات المسلحة بالتعاون مع جموع الشعب الأبي ملحمة الحرية والمسئولية، متحمّلين أمانة الحفاظ على الأمة المصرية وغرس قيم الولاء والانتماء لتراب هذا البلد العظيم؛ لتظل قلوب المصريين حريصة على صون المقدرات ودحر أطماع المعتدين والطامعين من خلال وقوفهم يدًا واحدة لا يستطيع كائن من كان تفريق جمعها، أو بث الفتن بين أطيافها المتماسكة؛ فالأزمات والمحن على أرض مصر لم تكن يومًا إلا دافعًا للمزيد من التلاحم والاصطفاف الوطني الذي يحمي الكيانات والمؤسسات من الهدم، ويحفظ للدولة هيبتها واستقرارها في شتى ربوعها، وهو ما يعكس الوعي القويم بقيمة الوطن، والحفاظ على منجزاته التاريخية ضد أي محاولات للنيل من سلامة أراضيه.

يرتبط امتداد نجاح أهداف الثورة وبقاء أثرها الطيب في الأفئدة بقرار إقرار مجانية التعليم، الذي ساهم بفاعلية في خلق مجتمع واعٍ يدرك العلاقة الوثيقة بين الحرية والمسئولية، ويؤمن بضرورة الاصطفاف لبناء الوطن؛ فالولاء والانتماء لا يمكن أن ينفصلا عن مناخ حاضن يستوعب جميع أبناء الوطن دون تمييز أو إقصاء، وقد أتاحت المجانية للذكور والإناث الالتحاق بالسلم التعليمي مما ألقى بصور التمييز والطبقية في اليم، ورسخ ممارسة تكافؤ الفرص في وجدان الشعب كحق أصيل يسهم في تأهيل الكفاءات وسد احتياجات سوق العمل ودعم قطاعات الإنتاج المختلفة، مع السعي المستمر لتطوير المناهج وتحديث المؤسسات التعليمية لتواكب العصر، وتفعيل دور المؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف الذي أسهم بقوة في النهضة التعليمية، بجانب التوسع في الابتعاث الخارجي لنقل الخبرات وبناء جيل من العلماء والمفكرين القادرين على قيادة قاطرة التنمية المستدامة.

شهدت البنية الاقتصادية للدولة تحولًا تاريخيًا عميقًا بعد أن استردت مصر مؤسساتها وشركاتها وبنوكها؛ لتصبح مصرية خالصة تخدم مصالح أبنائها، وتوج هذا المسار بقرار التأميم الجريء للمجرى الملاحي لقناة السويس وبناء السد العالي الذي تحول من حلم إلى واقع ملموس غير وجه الحياة الزراعية ونظم آليات الري، مما حول المساحات الشاسعة إلى أراضٍ خضراء تكسوها الخيرات؛ حيث ساهمت هذه المشروعات القومية في كسر الاحتكار وتحرير القرار الوطني من الإملاءات الخارجية والمكبلات العسكرية والسياسية؛ لتصبح مصر نموذجًا ملهمًا للعديد من الشعوب العربية والأفريقية التي تطلعت للحرية والاستقلال وسعت لإدارة مواردها بعيدًا عن هيمنة المستعمر وبناء اقتصاد وطني قوي يستند إلى سواعد أبنائها المخلصين.

يتواصل في عصرنا الراهن استلهام مبادئ ثورة يوليو المجيدة عبر مسيرة البناء والتنمية الشاملة، التي تنطلق نحوها جمهوريتنا الجديدة؛ حيث يتكامل العمل المؤسسي تحت قيادة حكيمة تواجه التحديات بعزيمة صلبة وإرادة لا تلين، تحقيقًا لغايات المستقبل الواعد؛ فالتقدم وبلوغ آفاق العزة يقتضي رفض مسارات العوز والتبعية والتمسك بالاستقلال الوطني والوعي الصحيح الذي يدحر كافة المخططات الرامية للنيل من استقرار الوطن؛ ليعيش أبناء مصر في كنف حياة كريمة تشمل الجميع بجودتها وترسخ قيم العدالة والمساواة في المجتمع، وتتيح للجميع الحصول على الخدمات الأساسية والتعليم المتميز والعمل اللائق في إطار رؤية وطنية واضحة تهدف لرفع مستوى معيشة المواطنين وتحسين جودة الحياة في كل شبر من أرض الوطن الحبيب.

يقوم الجيش المصري العظيم بدور ريادي في حماية مقدرات الوطن وصون حدوده، متمثلًا في كونه الدرع الحصين والسيف القاطع الذي دحر الإرهاب الأسود وطهر البلاد من بؤره ومآربه بمعاونة مؤسسة الشرطة الجسورة؛ لتتحول مصر إلى واحة للأمن والأمان والاستقرار وجاذبة للاستثمار المباشر الداعم للاقتصاد الوطني؛ وتأتي مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة الجارية في مختلف ربوع البلاد لتؤكد على طيب الأثر المستلهم من تاريخ كفاح الشعب وجيشه المغوار، سعيًا لإعادة إعمار الوطن وإعلاء بنيانه ووضع مصر في مكانتها اللائقة بها عالميًا، وهو ما يعكس التلاحم القوي بين الشعب والجيش لبناء مستقبل مشرق يرتكز على الأمن والإنتاج وتحقيق الاستقرار والتطور الاقتصادي الشامل والنهوض بكافة القطاعات الحيوية لضمان العزة والكرامة للأجيال القادمة.

ستظل ثورة الثالث والعشرين من يوليو مرجعية ملهمة لكل من يبتغي بناء وطن آمن ومستقر، عصي على التبعية للمشروعات التوسعية أو الأجندات المغرضة، بفضل تماسك شعبه ووعيه الرشيد واصطفافه خلف قيادته السياسية؛ فالسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة هي ثمرات باقية في وجدان الأمة وذاكرتها الممتدة، ترويها تضحيات المخلصين الذين عاهدوا الله على بذل الغالي والنفيس؛ لتبقى راية مصر عالية خفاقة تظللها قيم الديمقراطية والحرية المسئولة على مر العصور والزمان؛ لتثبت مصر دائمًا قدرتها على تجاوز الأزمات وتحقيق المعجزات بإرادة شعبها الأبي وجيشها الوطني العظيم، الذي يقف دائمًا حارسًا أمينًا لتطلعات الأمة وآمالها المشروعة نحو غد أفضل يسوده الاستقرار والنماء والسلام والمحبة بين الجميع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة