مع اقتراب موسم الشتاء في أوروبا، يعود شبح أزمة الطاقة ليخيم على القارة العجوز، هذه المرة ليس بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، بل بفعل تداعيات الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، الذي هزّ إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط ودفع أسعار الطاقة إلى مستويات مثيرة للقلق. وتواجه أوروبا اليوم تحدياً وجودياً يتمثل في ملء مخزوناتها الاستراتيجية من الغاز تحسباً لموجة برد قاسية، في وقت تتضاعف فيه تكاليف الاستيراد وتتناقص فيه الخيارات المتاحة.
أزمة تخزين غير مسبوقة منذ 15 عاماً
تشير تقديرات شركة الاستشارات "وود ماكنزي" إلى أن مرافق تخزين الغاز في الاتحاد الأوروبي قد تنهي موسم إعادة التزويد (من أبريل إلى أكتوبر) بنسبة امتلاء لا تتجاوز 76% فقط، وهو ما يمثل أدنى مستوى للمخزونات في بداية موسم التدفئة منذ عام 2011 على الأقل . ويعزى هذا العجز الكبير إلى تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي أدت إلى تعليق شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، المعبر المائي الحيوي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية.
ودخلت أوروبا موسم إعادة التزود بمخزونات منخفضة أصلاً، إذ لم تتجاوز نسبة الامتلاء 28% بعد شتاء قارس بشكل استثنائي، وهو مستوى أقل بكثير من المعدل الطبيعي لهذا الوقت من العام . وحتى منتصف يوليو، بلغ متوسط نسبة امتلاء المخزونات نحو 52%، مع استمرار وتيرة الضخ دون مستويات العام الماضي والمتوسط العشري، مما يثير مخاوف جدية من أن بعض الدول قد تواجه صعوبات بالغة في إعادة بناء احتياطياتها.
حرب إيران تعيد تشكيل سوق الغاز الأوروبية
شكّل إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج فى بعض الدول المنتجة صدمة كبرى لأسواق الطاقة الأوروبية. فقد ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بأكثر من 70% منذ اندلاع الحرب في فبراير 2026 . ورغم أن الأسعار لم تبلغ مستويات الذروة التي سجلتها عام 2022 (342 يورو لكل ميغاواط/ساعة)، فإنها استقرت عند نحو 40 يورو لكل ميجاواط/ساعة، وهو ما خلق مفارقة خطيرة: إذ أدى انخفاض الأسعار بعد اتفاق الهدنة المؤقت بين واشنطن وطهران إلى تثبيط حوافز التجار لاستيراد شحنات الغاز المسال، وخاصة من الولايات المتحدة، مما أبطأ وتيرة التخزين.
وهنا تبرز معضلة أخرى، إذ تواجه أوروبا منافسة شرسة من الأسواق الآسيوية، وخاصة الصين والهند، على شحنات الغاز المسال النادرة المتوفرة في السوق العالمية. وقد زادت الواردات الآسيوية من حوض الأطلسي في مايو ويونيو لتعويض النقص من مضيق هرمز، مما قلص حصة أوروبا من الإمدادات العالمية.
خطط أوروبية مرنة وعقبات روسية
في مواجهة هذه التحديات، خفضت المفوضية الأوروبية أهداف التخزين الإلزامية من 90% إلى 80%، مع السماح لبعض الدول باكتفاء 70% لتجنب الشراء المذعور الذي قد يرفع الأسعار أكثر . وأكدت فرقة عمل الطاقة التابعة للاتحاد الأوروبي أن "أهداف التعبئة لا تزال قابلة للتحقيق"، مشيرة إلى قدرة استيراد الغاز المسال الأوروبية الواسعة التي توفر مرونة إضافية. ومع ذلك، حذر المحللون من أن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز يشكل "خطراً هبوطياً كبيراً" يلوح في الأفق.
ويزيد تعقيد المشهد أن الاتحاد الأوروبي يعتزم فرض حظر كامل على الغاز الروسي المسال اعتباراً من يناير 2027، وهو ما قد يقطع نحو 14% من وارداته الحالية من الغاز المسال. وسيفقد هذا القرار أوروبا مصدراً مهماً في وقت تعاني فيه من نقص حاد في الإمدادات من الشرق الأوسط.
سيناريوهات قاتمة وحرب أسعار وشيكة
تشير تقديرات "جولدمان ساكس" إلى أنه إذا استعادت وحدات التصدير القطرية قدرتها الإنتاجية كاملة بحلول نهاية يوليو، فقد تصل نسبة امتلاء المخزونات إلى 74% في الشتاء، أما إذا تأخر التعافي شهراً كاملاً، فستتراجع النسبة إلى 70%، وهو مستوى خطير يعرّض أوروبا لموجة تضخمية جديدة.
ويحذر توم مارزيك-مانسر، مدير أبحاث الغاز الأوروبي في "وود ماكنزي"، من أن الأسعار سترتفع حتماً مع اقتراب الشتاء، خاصة إذا كان الطقس أقسى من المتوقع، مما سيخلق مخاطر هيكلية على الاقتصاد الأوروبي الهش أصلاً. ومع دخول فصل الخريف باحتياطيات أقل من المعتاد، وارتفاع الطلب على التدفئة، فإن أسعار الغاز قد تشهد قفزات جديدة ترفع تكاليف الطاقة على الأسر والصناعات، وتُغذي التضخم وتعيق التعافي الاقتصادي في القارة.