هل فكرت قبل كدة ليه الحكومة عايزة الناس تحوش؟ وهل الادخار مجرد "فلوس على جنب"؟ الإجابة أبعد من كده بكتير، لأن الجنيه اللي ما يروحش كله للاستهلاك، ممكن يبقى أمان لصاحبه وقت الحاجة، وتمويلا لمشروع، واستثمار وفرصة عمل غدا لأبنائه.
ومن هنا تبدأ قصة الحكومة مع الادخار حيث تشجيع المواطن على "التحويش"، وتحويل المدخرات من فلوس ساكنة إلى كونها قوه تدفع الاقتصاد وتعود بالنفع علي أصحابها من المواطنين من خلال استثمار أموالهم.
فكلما زادت المدخرات داخل الجهاز المصرفي، اتسعت قدرة البنوك على توفير التمويل للأنشطة الاقتصادية التي تحرك عجلة الأقتصاد وتعود بالنفع علي المواطن، بينما يمثل جذب تحويلات المصريين بالخارج وإيداعها في القنوات الرسمية فرصة لتعظيم الاستفادة من أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
لكن السؤال الأهم، كيف تحاول الحكومة جعل الادخار أكثر جاذبية للمواطن؟ وما الأدوات التي تراهن عليها لتحويل "التحويش" من عادة فردية إلى قوة اقتصادية؟ والتي يكشف عنها البيان المالي المقدم من أحمد كجوك، وزير المالية للعام المالي الجديد.
الإجابة عن ذلك هنتطرق لها تفصلا، في الحكومة لا تراهن على خطوة واحدة لتحقيق ذلك، وإنما تطرح منظومة متكاملة تبدأ من السيطرة على التضخم والسيولة، وتمر بتوسيع التعامل مع البنوك والخدمات الرقمية، وصولًا إلى تقديم أوعية ادخارية بعوائد مميزة، ثم نشر ثقافة الادخار من البيت والمدرسة والإعلام، بالإضافة إلي امتدادها إلي تحويلات المصريين العاملين بالخارج، باعتبارها أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
البداية من التضخم .. "حوش" لكن لازم قيمة فلوسك تفضل موجودة ؟
ونظراً لأن أول تحدي أمام أي سياسة تستهدف تشجيع الادخار هو التضخم؛ لأن المواطن لن يكون لديه حافز قوي للادخار إذا كان ارتفاع الأسعار يلتهم جزءا كبيرا من قيمة أمواله، تستهدف السياسة النقدية، وفق توجهات الحكومة، التي يكشف عنها وزير المالية أحمد كجوك، امتصاص السيولة المالية الفائضة في الأسواق وكبح جماح التضخم، من خلال التحكم في زيادة المعروض النقدي بما يتوافق مع معدل النمو الاقتصادي الحقيقي، إلى جانب مواصلة ربط قرارات أسعار الفائدة بحركة معدلات التضخم.
بمعنى أبسط، الحكومة تحاول ضبط كمية الأموال المتداولة في السوق بما يتناسب مع حجم النشاط الاقتصادي، حتى لا تؤدي زيادة السيولة إلى مزيد من الضغوط السعرية.
وهنا ترتبط مكافحة التضخم مباشرة بتشجيع الادخار؛ فكلما تحسنت القدرة على السيطرة على ارتفاع الأسعار، أصبح لدى المواطن مساحة أكبر للتفكير في تأجيل جزء من استهلاكه الحالي والاحتفاظ به للمستقبل.
الحكومة تراجع الإنفاق.. من "ترشيد المصروفات" إلى دعم الاستقرار
وفي الاتجاه نفسه، تستمر السياسة المالية في استهداف رفع كفاءة الأداء وترشيد الاستهلاك الحكومي، من خلال مراجعة بنود الإنفاق المختلفة ومنظومة الدعم السلعي، إلى جانب تطوير منظومة الأجور وربط الأجور بالإنتاجية، كما تتحرك الحكومة نحو رفع كفاءة التحصيل الضريبي، بالتوازي مع إحكام الرقابة على الأسواق وإنفاذ القانون.
ولا ينفصل ذلك عن ملف الادخار؛ فاستقرار المالية العامة وتحسين كفاءة الإنفاق والتحصيل يساعدان على خلق بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا، بينما تستهدف الرقابة على الأسواق الحد من الممارسات التي تؤثر في الأسعار وتضغط على دخول الأسر ومدخراتها.
ولهذا تركز الحكومة على تفعيل دور جهاز حماية المستهلك وجهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، بما يساهم في تنظيم الأسواق وزيادة تنافسيتها.
"قلل الاستيراد الكمالي".. حماية للموارد وتشجيع للاستهلاك الأكثر رشادة
وتضم الخطة كذلك ترشيد عمليات الاستيراد من خلال تقييد استيراد السلع الكمالية، إلى جانب مراجعة الرسوم الجمركية على بعض الواردات بما يتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية.
طيب.. فين المواطن من الخطة؟ هنا يأتي "الشمول المالي"
بعد ضبط البيئة الاقتصادية، تنتقل الحكومة إلى الحلقة الأهم، وهي جعل المواطن أقرب إلى الجهاز المصرفي.ولهذا تضع فإنها تضع تعزيز الشمول المالي ضمن أدواتها لتوسيع قاعدة المتعاملين مع البنوك، بحيث لا يظل الادخار المصرفي مقتصرا على فئات محددة لديها حسابات بنكية بالفعل.
والخطوة الأولى تبدأ من تسهيل الدخول إلى النظام المصرفي، عبر تبسيط فتح الحسابات باستخدام الرقم القومي دون فرض مصاريف، مع تخفيض الحد الأدنى المطلوب للإيداع المصرفي. وهذه نقطة مهمة جدا، لأن المواطن لن يدخر داخل البنك إذا كان الوصول إلى البنك نفسه معقدا أو مكلفا.
البنك لازم يوصلك.. مش أنت اللي تدور عليه
ولا تتوقف الخطة عند تسهيل فتح الحسابات، وإنما تتجه إلى التوسع في إنشاء فروع البنوك ومكاتب البريد في المراكز والقرى والتجمعات السكانية التي لا تتوافر بها الخدمات المصرفية بدرجة كافية.
"الموبايل" يدخل على الخط.. الادخار لم يعد محتاجا فرع بنك
وفي الوقت نفسه، تتوسع الحكومة في الخدمات المصرفية الإلكترونية، من خلال تعزيز أجهزة نقاط البيع، والتوسع في شبكات أجهزة الصراف الآلي، وزيادة قاعدة بطاقات الائتمان، إلى جانب تطبيقات التحويل النقدي عبر الهاتف المحمول.
وتشمل هذه الخدمات صرف الرواتب والمعاشات، وتحصيل الفواتير وأقساط التمويل متناهي الصغر، إلى جانب الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والنظم الحديثة مثل InstaPay وApple Pay، مع تشجيع إنشاء الشركات الخاصة العاملة في مجال الدفع الإلكتروني.
وهنا تتغير طريقة تعامل المواطن مع أمواله، فلم يعد الوصول إلى الحساب المصرفي مرتبط بالذهاب إلى الفرع، وإنما أصبح الهاتف نفسه بوابة لإدارة الأموال والتحويل والدفع، وهو ما يوسع فرص دخول شرائح جديدة إلى المنظومة المالية الرسمية.
الادخار مش مجرد "تحويشة".. المدفوعات الرقمية جزء من المعادلة
وتربط الحكومة بين تفعيل دور المجلس الأعلى للمدفوعات وبين السيطرة على التضخم وزيادة معدلات الادخار، والفكرة أن توسيع المدفوعات الرسمية والرقمية يجعل حركة الأموال أكثر تنظمتا ووضوحا، ويزيد ارتباط المواطنين بالجهاز المالي والمصرفي، بما يساعد على توسيع قاعدة التعاملات الرسمية وخلق بيئة أكثر ملاءمة للادخار.
"حوش.. وإحنا هنخلي التحويشة تكبر"
بعد توفير البيئة المصرفية، تأتي الأداة الأكثر مباشرة في تشجيع الادخار، وهي العائد، فتستهدف الحكومة، حسب البيان المالي، طرح أوعية ادخارية جديدة ومتنوعة بعائد مميز لتحفيز المواطنين من مختلف الشرائح على إيداع مدخراتهم في الجهاز المصرفي.
وهنا تدخل الحكومة إلى النقطة التي تهم المواطن بصورة مباشرة "لو هتحوش، فلوسك مش هتفضل واقفة.. هتحصل على عائد عليها"
وهذه الحوافز يمكن أن تجعل الادخار المصرفي أكثر جاذبية مقارنة بالاحتفاظ بالنقد خارج البنوك، لاسيما عندما يجد المواطن وعاء ادخاري يتناسب مع احتياجاته وقدرته المالية.
مش كل الناس بتحوش بنفس الطريقة.. الحكومة تستهدف فئات بعينها
ولا تتعامل رؤية الحكومة ممثله في وزارة المالية، مع المواطنين باعتبارهم كتلة واحدة، وإنما تستهدف ابتكار منتجات وأوعية ادخارية جاذبة لشرائح محددة، ومن بينها المرأة الريفية والعمالة غير المنتظمة والعاملون في القطاع غير الرسمي.
استهداف المرأة الريفية والعمالة غير المنتظمة يعني أن الحكومة تريد أن تنتقل ثقافة الادخار إلى شرائح أوسع من المجتمع، بدلًا من بقائها مرتبطة بالموظفين وأصحاب الدخول المنتظمة، لاسيما أن العامل الذي يحصل على دخل متغير، أو المرأة التي تدير موارد مالية محدودة في الريف، قد لا يكون قادرا على اتباع نفس أنماط الادخار التقليدية.
الحكومة لا تراهن على البنوك فقط .. "ثقافة التحويش" تبدأ من البيت
لكن حتى أفضل الشهادات والودائع لن تحقق هدفها إذا لم تتغير ثقافة التعامل مع المال، ولهذا تتضمن الرؤية الحكومية تبني خطة للتوعية بأهمية الادخار وتنمية الثقافة المالية لدى المواطنين، على مستوى الأسرة والمدرسة وأجهزة الإعلام، وهنا تنتقل الحكومة من تقديم المنتج المصرفي إلى محاولة تغيير السلوك نفسه.
فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر الفرق بين الضروري والكمالي، وبين الإنفاق والادخار، يصبح أكثر استعدادا لإدارة أمواله في المستقبل، والأسرة التي تتعامل مع الادخار كجزء من تخطيطها المالي تصبح أكثر قدرة على مواجهة الطوارئ، بينما يستطيع الإعلام أن يحول الادخار من مجرد نصيحة تقليدية إلى ثقافة مجتمعية.
تحويلات المصريين بالخارج.. "تحويشة" بالدولار
ولا تقتصر خطة الحكومة لتشجيع الادخار على الأموال الموجودة داخل السوق المحلية، وإنما تمتد إلى تحويلات المصريين العاملين بالخارج، باعتبارها أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، وفي الوقت نفسه فرصة لزيادة المدخرات بالعملات الأجنبية داخل الجهاز المصرفي.
وتكشف البيانات عن رحلة صعود واضحة للتحويلات؛ فبعد أن سجلت نحو 22.1 مليار دولار خلال 2022/2023، تراجعت بنحو 9.8 مليار دولار مقارنة بالعام السابق، ثم استقرت تقريبا عند 21.9 مليار دولار في 2023/2024.
لكن الصورة تغيرت بقوة خلال 2024/2025، عندما قفزت التحويلات إلى نحو 36.5 مليار دولار، لتسجل أعلى مستوى خلال فترة المقارنة.
وهنا لا تتوقف أهمية هذه الأموال عند دخولها إلى مصر، فالحكومة تراهن على أن يتحول جزء منها من مجرد تحويلات تستخدم في الإنفاق إلى ودائع وشهادات ومدخرات بالعملة الأجنبية، بما يبقيها داخل الجهاز المصرفي ويعظم أثرها على الاقتصاد.
ولا تبدو القفزة التي سجلتها التحويلات باعتبارها هدفا نهائيا، وإنما نقطة انطلاق لتوقعات أكثر تفاؤلا خلال السنوات المقبلة، فالتقديرات تستهدف وصول تحويلات المصريين بالخارج إلى نحو 37 مليار دولار في 2025/2026، ثم 42 مليار دولار في 2026/2027، و45 مليار دولار في 2027/2028، قبل أن تصل إلى 47 مليار دولار في 2028/2029، وصولًا إلى 48 مليار دولار في 2029/2030.