هبة مصطفى تكتب: تسعون دقيقة أعادت فرحة مصر

السبت، 04 يوليو 2026 03:20 م
هبة مصطفى تكتب: تسعون دقيقة أعادت فرحة مصر

هناك من يرى كرة القدم اثنين وعشرين لاعبا يطاردون كرة، أما أنا، فأراها وطنا كاملا يركض في قلوب الملايين.

عزيزي المصري تسعون دقيقة كانت كافية لتعيد إلينا مشاعر افتقدناها كثيرا؛ الفرح، والفخر، واليقين بأن المصري عندما يؤمن بنفسه، يستطيع أن يصنع المستحيل.

لم يفز منتخب مصر وحده. بل فازت روح مصر. فحين أضاءت نجوم مصر سماء أمريكا كانت هناك لحظات لا يكتبها التاريخ بالحبر، بل يكتبها بدموع الفرح من عيون الشعوب، وهناك انتصارات لا تقاس بعدد الأهداف، وإنما تقاس بحجم الأمل الذي تعيده إلى القلوب، وما شهدناه لم يكن مجرد مباراة في كرة القدم، ولا مجرد تأهل جديد يضاف إلى سجل منتخب مصر، بل كان ميلادا جديدا لمعنى الانتماء الوطني ورسالة صادقة إلى العالم كله بأن مصر، التي صنعت أعظم حضارة عرفتها الإنسانية، ما زالت قادرة على أن تصنع الأبطال، وأن تدهش العالم كلما ظن البعض أن نجومها قد خفت بريقها.

ففي الملاعب الأمريكية لم تكن الأضواء وحدها هي التي تلمع، وإنما كانت هناك كوكبة من النجوم المصرية ترسم باقدامها لوحة من الفخر والعزة، وتجعل قلوب الملايين تخفق باسم وطن واحد، وعلم واحد، وحلم واحد اسمه مصر.

لقد رأينا رجالا يلعبون بقلوبهم قبل أقدامهم، يقاتلون على كل كرة، ويؤمنون بأن خلفهم أكثر من مائة مليون مصري ينتظرون لحظة فرح يستحقونها، ولذلك لم يكن أداؤهم مجرد اداء رياضي، بل كان ترجمة حقيقية لمعنى الانتماء، فالانتماء ليس كلمات تقال في المناسبات، ولا شعارات ترفع على الجدران، وإنما هو إخلاص في العمل، واتقان في الأداء، واستعداد للتضحية من اجل ان تبقى راية الوطن مرفوعة في أعلى مكان.

ولهذا فإن الشكر لا يكفي، لكنه أقل ما يمكن أن نقدمه لكل لاعب ارتدى قميص المنتخب المصري، ولكل من بذل نقطة عرق وهو يعلم أن اسم مصر اثمن من اي بطولة، وان فرحة شعب كامل تستحق أن يبذل الانسان من اجلها كل ما يملك. لقد كنتم اليوم نجوما حقيقية، ليس لانكم فزتم بمباراة، ولكن لأنكم جعلتم المصريين يلتفون حول وطنهم، ويهتفون بصوت واحد، ويشعرون ان هذا العلم الذي يرفرف فوق المدرجات هو جزء من ارواحهم. والتحية لا تقتصر على اللاعبين وحدهم، فالنجاحات الكبرى لا يصنعها فرد، وانما تصنعها منظومة تعرف كيف تخطط، وكيف تدير، وكيف تحول الحلم إلى واقع. من هنا فإن التحية واجبة لكل من خطط واعد وعمل في صمت، ولكل جهاز فني واداري آمن بأن الإنجاز لا يولد بالمصادفة، وانما يولد من رؤية واضحة، وعمل دؤوب، وانضباط لا يعرف التهاون.

لقد أثبت هذا المنتخب أن التخطيط السليم هو أول أهداف الفوز، وأن الأمم التي تريد أن تسبق غيرها لا تعتمد على الأمنيات، وإنما تبني نجاحها خطوة بعد خطوة، حتى تصل الى منصة المجد. واذا كانت مصر قد اهدت الانسانية الهرم الأكبر، ذلك الصرح الذي وقف آلاف السنين شاهدا على عبقرية المصريين، فإن الكرة المصرية أهدت العالم أيضا هرمها الأكبر، محمد صلاح، الذي لم يعد مجرد لاعب كرة قدم، بل أصبح رمزا للإدارة المصرية، وعنوانا للطموح الذي لا يعرف الحدود.

إن محمد صلاح هو الهرم الأكبر في كرة القدم المصرية؛ كلما مر الزمن ازدادت قامته ارتفاعا، وكلما واجه التحديات ازداد بريقه، وكلما ظن البعض أن القمة بعيدة، أثبت أن المصري قادر على الوصول إليها بموهبته واجتهاده واخلاقه. لم يصنع محمد صلاح مجده بموهبته وحدها، بل صنعه بالانضباط، والصبر، والعمل المتواصل، حتى أصبح نموذجا لكل شاب مصري يحلم بأن يصل إلى العالمية وهو يحمل وطنه في قلبه قبل أن يحمله على كتفيه. ومع ذلك، فإن عظمة هذا المنتخب أنه لم يعتمد على نجم واحد، بل قدم درسا عظيما في أن الفريق هو البطل الحقيقي، وأن القائد الحقيقي هو من يجعل كل من حوله قادرا على التالق، ولذلك استحق كل لاعب أن يكون نجما يضيء سماء أمريكا، وأن يكون كل فرد في هذا الفريق صفحة مضيئة في كتاب الكرة المصرية. ولعل اجمل ما صنعه هذا الفوز انه اعاد الينا قيمة كنا في امس الحاجة إليها، وهي أن الوطن يستطيع أن يجمع أبناءه مهما اختلفت آراؤهم، وأن يجعلهم يقفون صفا واحدا عندما يرتفع اسم مصر. ففي لحظات المباراة اختفت كل الفوارق، وسقطت كل الخلافات، ولم يبق إلا صوت واحد يهتف: تحيا مصر.

وهذه هي القوة الحقيقية للرياضة؛ فهي ليست مجرد منافسة على كاس، وانما جسر يعبر عليه الانتماء الى القلوب، ومدرسة تعلمنا انه عندما تتشابك الأيادي تكتمل العقول واكتمل العمل الجماعي إلى النجاح.

عزيزي المصري، إن هذا الفوز ليس مجرد فرحة عابرة، بل رسالة لكل شاب مصري بأن الأحلام لا تتحقق بالصدفة، وإنما تتحقق بالاجتهاد، ورسالة لكل مسؤول بأن التخطيط هو مفتاح الإنجاز، ورسالة لكل أسرة بأن تربية الأبناء على الانضباط والالتزام هي أعظم استثمار يمكن أن تقدمه للوطن، ورسالة للعالم كله بأن مصر لا تنجب الحضارة فقط، وإنما تنجب الرجال أيضا، وأن أبناءنا قادرون في كل زمان على أن يكتبوا تاريخا جديدا بأيديهم.

عزيزي المصري، إننى أؤمن أن مباراة اليوم لم تكن انتصارا رياضيا فحسب، بل كانت انتصارا للارادة المصرية، وللعمل الجماعي، وللانتماء، وللامل الذي لا يموت ابدا في قلوب هذا الشعب العظيم. فشكرا لابطال منتخب مصر، وشكرا لكل من خطط وصنع هذا الانجاز، وشكرا لكل يد رفعت علم مصر في المدرجات، وشكرا للهرم الأكبر في الكرة المصرية محمد صلاح الذي سيظل نموذجا مضيئا لكل الأجيال، وشكرا لعميد مدربي الكرة المصرية حسام حسن، ومبروك لمصر التي أثبتت اليوم، كما اثبتت عبر آلاف السنين، انها كلما ظن العالم ان نجومها قد غابت، عادت بقوة جديدة لتضيء سماء الدنيا كلها.. تحيا مصر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة