ليست التهديدات التي تواجه الدول اليوم جديدة بالضرورة، فحتى الفترات التي اتسمت بقدر أكبر من الاستقرار النسبي لم تخلو من تحديات متنوعة، سواء تلك التي استهدفت أمن الدول، كما هو الحال مع الإرهاب، أو اقتصاداتها، كما كشفت الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2008. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في المرحلة الراهنة لا يتعلق بوجود هذه التهديدات في حد ذاتها، وإنما بالكيفية التي تتحرك بها وتتفاعل مع غيرها.
فالتهديدات أصبحت أكثر قدرة على الانتشار والتداخل، بحيث لم تعد تقتصر على مجال بعينه، وإنما باتت تنتقل بسرعة عبر الحدود من دولة إلى أخرى، وفي الوقت نفسه تمتد داخل الدولة ذاتها بين مختلف مؤسساتها وقطاعاتها، لتتحول من أزمة منفصلة إلى منظومة من التأثيرات المتشابكة، وهو ما يفرض على الدول إعادة النظر في الكيفية التي تدير بها مؤسساتها وآليات الاستجابة لديها.
وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية التي تواجه الدول، والتي لا تتمثل في طبيعة التهديدات ذاتها، بقدر ما تتمثل في الكيفية التي ينبغي أن تدار بها آليات الاستجابة لها، فالأزمة الواحدة لم تعد ترتبط بملف بعينه تتولى إدارته مؤسسة واحدة، وإنما أصبحت تمتد بتداعياتها إلى عدد متزايد من القطاعات والمؤسسات في الوقت نفسه، بما يتطلب تحقيق أعلى درجات التكامل والتنسيق بين مؤسساتها، لا بكفاءة كل مؤسسة على حدة، لتحقيق أعلى درجات التكامل بين مؤسساتها، لا بكفاءة كل مؤسسة على حدة.
ولعل الحديث عن التكامل بين المؤسسات يتجاوز مجرد التنسيق التقليدي بينها، ليمتد إلى إعادة هيكلة العلاقة التي تربطها بعضها ببعض، بحيث لا تعمل كل مؤسسة باعتبارها جزيرة منفصلة، وإنما كجزء من منظومة تشغيلية واحدة، تقوم على تبادل المعلومات، وتكامل الأدوار، وتسريع آليات اتخاذ القرار والاستجابة، فالتحديات ذات الطبيعة المتداخلة لم تعد تسمح بتجزئة الاستجابة أو توزيعها بين مؤسسات تعمل بصورة منفصلة، وإنما تفرض بناء استراتيجية موحدة تنطلق من عمل مؤسسات الدولة باعتبارها وحدة تشغيلية متكاملة قادرة على التعامل مع بيئة دولية تتزايد فيها مستويات التعقيد والتشابك.
ففي البيئة الدولية الراهنة، لم تعد كفاءة الدولة تقاس فقط بما تمتلكه من مؤسسات قوية، وإنما بقدرتها على تشغيل هذه المؤسسات باعتبارها منظومة واحدة لإنتاج القرار والاستجابة، وبالتالي لم يعد معيار القوة يرتبط بكفاءة كل مؤسسة على حدة، بقدر ما أصبح يرتبط بكفاءة العلاقة التي تربطها بغيرها، وقدرتها على العمل بصورة متكاملة في مواجهة التهديدات المتشابكة، وهو ما يعكس تحولا جوهريا في مفهوم القوة ذاته، التي لم تعد تقاس فقط بحجم الإمكانات التي تمتلكها الدولة، وإنما بكيفية تنظيمها وتشغيلها وتكاملها لتحقيق أعلى درجات الكفاءة.
وإذا كانت طبيعة التهديدات قد فرضت هذا النمط الجديد من التشغيل، فإن ذلك يطرح تساؤلًا آخر يتعلق بالإطار الذي يمكن من خلاله فهم هذا التحول حيث أن إعادة تنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة لم تعد مجرد مسألة إدارية تستهدف رفع كفاءة الأداء، وإنما أصبحت جزءا من معادلة السيادة ذاتها، باعتبار أن قدرة الدولة على الاستجابة لم تعد ترتبط بما تمتلكه من مؤسسات قوية فحسب، وإنما بقدرتها على تشغيلها باعتبارها منظومة واحدة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية ما أسميته في السابق بـ NAPS أو National Architecture for Policy Sovereignty (الهندسة الوطنية لسيادة السياسات)، باعتباره الإطار الذي يفسر الكيفية التي تعيد بها الدولة هندسة بنيتها المؤسسية والتشغيلية، بحيث لا تعود العلاقة بين المؤسسات مجرد وسيلة للتنسيق، وإنما تتحول في حد ذاتها إلى أحد مصادر القوة الوطنية.
فإذا كانت التحولات الدولية قد أعادت تشكيل طبيعة التهديدات، فإنها أعادت في الوقت نفسه تشكيل مصادر القوة داخل الدولة. فلم يعد امتلاك مؤسسات قوية، كل في نطاق اختصاصه، كافيا لضمان كفاءة الاستجابة أو حماية السيادة، وإنما أصبح الرهان الحقيقي على قدرة الدولة على إعادة هندسة العلاقة بين هذه المؤسسات، وتحويلها إلى منظومة تشغيلية متكاملة.
وهنا يمكننا القول بأن مفهوم "NAPS" ليس مجرد توصيف لنمط جديد من الإدارة، بقدر ما يطرح إطارا يمكن من خلاله فهم التحول الذي تشهده وظيفة الدولة ذاتها، في مرحلة باتت فيها القوة تقاس ليس فقط بما تمتلكه الدول من موارد وإمكانات، وإنما أيضا بقدرتها على تنظيمها وتشغيلها وتكاملها في مواجهة بيئة دولية تتزايد تعقيدا وتشابكا.
إقرأ أيضا
الأوكتاجون.. البنية التشغيلية للدولة في إطار "NAPS”
من الاندماج إلى السيادة.. كيف تعيد "NAPS" تعريف وظيفة الإصلاحات الهيكلية؟
من "GATT" إلى "GAPS".. تحولات الهيمنة في عصر تسييل السيادة
"GAPS".. كيف تصيغ الحقبة الجديدة شرعيتها؟
فلسفة الـ"GAPS".. السيادة من الغطاء القانونى إلى التعويم
حرب السيادة.. طبيعة الصراع في حقبة الــ GAPS