وسط التصريحات والمواقف المتناقضة بين الرئيس الأمريكى وفريقه من جهة والجانب الإيرانى من جهة أخرى، تستمر المناورات، ويتم رسم سيناريوهات المستقبل التى تتراوح بين قرب التوصل إلى اتفاق ينهى الحرب، واحتمالات اشتعال المواقف وتوسع الصراع، بشكل يقترب من سيناريو الجحيم، حسب وصف بعض المراكز، ومن المهم تحليل تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، التى يهدد فيها بضربات أقوى ثم يرد الحرس الثورى بالرد، وينفى وجود اتصالات، فهى تصريحات موجهة لجمهور ما وليست تعبيرا عن الواقع، وفى إدارة الصراع تتواصل القنوات الخلفية وتتوزع الأدوار، وتصفها بعض الصحف ومراكز التحليل بأنها نموذج لما يسمى «التفاوض تحت النيران»، حيث لا يمكن أن تكون كل تصريحات البيت الأبيض على اتصالات من أطراف إيرانية، أو قرب التوصل لاتفاق مختلقة، أو أن يتصور أحد أن كل هذه العمليات العسكرية لم تنتج دمارا وأن إيران لا تواجه أزمات خانقة.
والواقع أن الطرفين يمارسان سياسة «حافة الهاوية»، السياسية والعسكرية لكسب نقاط قبل التوقيع الحتمى على الاتفاق، حيث ترى بعض الدوائر السياسية والاستخباراتية مثل معهد دراسات الحرب ISW أن كلا الطرفين صادقان فى رغبتهما فى تجنب حرب شاملة، لكنهما يبالغان فى إعلان انتصارات ميدانية أو تهديدات لتحسين شروط التفاوض، حيث أعلن ترامب فجأة عن وقف القصف ليظهر فى موقف القوى والمسيطر الذى يُملى الشروط، ويخاطب الداخل الأمريكى بأنه أوقف حرباً وشيكة بذكائه، ضمن تكتيك ترامبى محفوظ الضغط الأقصى ثم عرض الصفقة، بينما بيانات الحرس الثورى عن قصف أهداف أمريكية ونفى الاتصال المباشر بترامب الهدف منها الحفاظ على صورة الردع الداخلى والإقليمى والإيحاء بأنهم يذهبون للتفاوض بإرادتهم وليس كطرف يستسلم للضغط، وهى رسالة للداخل الإيرانى خوفا من ضعف الصورة الداخلية، وتبرير حجم الخسائر والتدمير الداخلى.
وترى بعض التقارير الأوروبية الفرنسية والبريطانية على فرضية وجود اختلافات وتناقضات كبيرة بين «صناع القرار والأطراف العسكرية فى كل من الولايات المتحدة وإيران»، ويرى المحللون أن الجناح الدبلوماسى وحكومة الرئيس مسعود بزشكيان، بمباركة المرشد، يسعون نحو توقيع مذكرة التفاهم لرفع الحصار الاقتصادى الخانق وإنهاء الضغط وإطلاق الأرصدة، بينما يرى الحرس الثورى والجناح المتشدد أن التنازلات النووية الشاملة حول التخصيب الصِفرى وتصفية الغبار تهديداً لوجوده، لذلك يدفع نحو التصعيد الميدانى بإسقاط الأباتشى وقصف القواعد لإفشال مسار التسوية أو عرقلته.
وفى الولايات المتحدة هناك اختلاف بين رغبة ترامب الملحة فى إنهاء الحرب وإعلان صفقة القرن البديلة للاتفاق النووى قبل الانتخابات لتعزيز صورته السياسية، بينما تقارير البنتاجون والاستخبارات تضغط للحصول على التزامات واضحة من إيران قبل إنهاء الحصار.
وفى نفس اتجاه التصعيد يقف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وحسب تقارير منصة أكسيوس يبدى قلقا من إبرام اتفاق سريع لا يضمن تفكيكاً كاملاً ونهائياً للمشروع النووى الإيرانى والصواريخ الباليستية.
وهذه الأطراف الثلاثة الحرس والبنتاجون ونتنياهو يدفعون نحو الحرب والسيناريو الأصعب وأن التصريحات والتهديدات قد تؤدى لسوء تقدير ميدانى يعيد اشتعال الحرب بشكل أوسع، ويجبر ترامب تحت ضغط المتطرفين لشن ما يسميها حرب إبادة واستهداف البنية التحتية النفطية فى جزيرة خرج، مما يطيح بالهدنة الهشة، وهو خيار يدفع إليه المتطرفون فى إيران وإسرائيل، وأمريكا، بينما يدفع الرئيس الإيرانى وربما معه المرشد لإبرام اتفاق، وهو ما يظهر من تصريحات ترامب التى يعلن فيها تلقى اتصالات، لا تنفيها الرئاسة، أو الأطراف السياسية بما يضاعف من إظهار انقسام فى القرار الإيرانى مع تناقضات أمريكية.