أوروبا على حافة الهاوية المناخية.. موجات حر تحوّل الجفاف لسلاح فتاك.. خبراء يحذرون من عطش الغلاف الجوى يهدد بأزمة غذاء وارتفاع الأسعار.. المياه تتبخر أكثر بـ80 مرة.. والحرائق تدمر مئات الهكتارات مع آلاف الضحايا

الجمعة، 24 يوليو 2026 02:00 ص
أوروبا على حافة الهاوية المناخية.. موجات حر تحوّل الجفاف لسلاح فتاك.. خبراء يحذرون من عطش الغلاف الجوى يهدد بأزمة غذاء وارتفاع الأسعار.. المياه تتبخر أكثر بـ80 مرة.. والحرائق تدمر مئات الهكتارات مع آلاف الضحايا الجفاف فى اوروبا

فاطمة شوقي

تشهد القارة الأوروبية خلال صيف 2026 واحدة من أكثر الفترات المناخية قسوة في تاريخها الحديث، حيث تتوالى موجات الحر الشديدة وتتسع رقعة الجفاف بصورة غير مسبوقة، دفعَت خبراء المناخ إلى التحذير من أن أوروبا تدخل مرحلة جديدة تتغير فيها طبيعة الأزمة المناخية ذاتها. فلم يعد الجفاف مجرد انخفاض في معدلات الأمطار، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بارتفاع درجات الحرارة القياسية، ما يؤدي إلى تبخر المياه بسرعة أكبر واستنزاف التربة والأنهار والخزانات المائية بمعدلات تنذر بكارثة بيئية واقتصادية وإنسانية.

 

الجفاف الساخن: عندما تصبح الحرارة العامل الأساسي

تكشف تقارير المناخ الأوروبية أن موجات الحر المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة غيّرت قواعد اللعبة المناخية في القارة. ففي السابق، كان الجفاف يرتبط أساساً بندرة الأمطار، أما اليوم فإن الحرارة المرتفعة أصبحت عاملاً رئيسياً في تفاقمه. فكل درجة إضافية من الحرارة ترفع معدل فقدان المياه من التربة والنباتات، وهو ما يخلق ظاهرة يصفها العلماء بـ"الجفاف الساخن"، حيث تتزامن الحرارة الشديدة مع تراجع الموارد المائية وتزايد الضغط على الزراعة والطاقة والبيئة.

 

ووفق دراسة أجراها فريق "عزو الطقس العالمي" (World Weather Attribution)، فإن موجات الحر القادرة على توليد ظروف تبخر مكثفة أصبحت أكثر احتمالاً بـ80 مرة في أوروبا الغربية بسبب التغير المناخي، و40 مرة في أوروبا الشرقية. كما أن جفاف التربة الزراعية في أوروبا الغربية بات أكثر احتمالاً 5 مرات، بينما ارتفعت الاحتمالية إلى 11 مرة في أوروبا الشرقية التي تعاني جفافاً مستمراً منذ ستة أشهر.

 

أرقام قياسية تنذر بالخطر

خلال الأسابيع الأخيرة، تجاوزت درجات الحرارة في مناطق واسعة من شبه الجزيرة الإيبيرية حاجز 40 درجة مئوية، واقتربت في بعض المناطق من 45 درجة، مع تسجيل موجات حر متتالية تعدّ الأقوى خلال العقود الأخيرة. وأكدت وكالة الأرصاد الجوية الإسبانية (AEMET) أن صيف 2026 يسير نحو تسجيل أرقام قياسية جديدة في عدة مناطق، مع انحرافات حرارية تجاوزت المعدلات الطبيعية بأكثر من ثلاث درجات مئوية.

 

ولم تقتصر الموجات الحارة على جنوب أوروبا، بل امتدت إلى وسط القارة، حيث سجّلت فرنسا أعلى درجات حرارة في تاريخها يومي 24 و25 يونيو الماضي، بمعدل وطني بلغ 30 درجة مئوية، فيما تجاوزت الحرارة القصوى 40 درجة في العديد من المناطق. وتسببت هذه الموجة في وفاة 5,764 شخصاً فوق المعدل الطبيعي، بنسبة زيادة 36%، في حصيلة هي الأعلى منذ موجة الحر القاتلة عام 2003 التي أودت بحياة 15 ألف شخص.

 

الحرائق: كارثة فوق كارثة

من أخطر نتائج موجات الحر الحالية الارتفاع الحاد في خطر حرائق الغابات. ففي إسبانيا وحدها، احترقت أكثر من 119 ألف هكتار منذ بداية العام، بينها نحو 79 ألف هكتار خلال الأسابيع الأولى من يوليو فقط، مما أجبر السلطات على إخلاء عشرات البلدات والقرى في مناطق متفرقة من البلاد. ويربط الخبراء بين هذه الحرائق والظروف المناخية القاسية الناتجة عن الحرارة المرتفعة والجفاف المستمر، حيث تحولت الغابات والأراضي الزراعية إلى وقود جاهز للاشتعال.

 

وفي فرنسا، أظهرت بيانات نظام المعلومات الأوروبي لحرائق الغابات (Effis) أن الحرائق التهمت أكثر من 42 ألف هكتار منذ بداية العام، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في عام 2022 بكامله، وتمثل ضعف المساحة المحترقة في الفترة ذاتها من العام الماضي. وامتدت النيران إلى مناطق غير معتادة على الحرائق، بما في ذلك غابة فونتينبلو قرب باريس.

 

الأمن الغذائي في خطر

لا يقتصر تأثير هذه الظاهرة على الطقس فقط، بل يمتد إلى الأمن الغذائي الأوروبي برمته. فالجفاف المتكرر يهدد المحاصيل الزراعية ويؤثر في إنتاج الحبوب والزيتون والعنب والخضروات، خاصة في دول جنوب أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على الموارد المائية المحدودة. وتشير التقارير إلى أن فرنسا تتجه نحو أسوأ محصول ذرة في 50 عاماً، بينما فقدت رومانيا أكثر من مليون هكتار من المحاصيل، وتراجعت مناسيب الأنهار ما عطّل الملاحة وأضرّ بإنتاج الطاقة.

 

وتواجه المراعي الطبيعية ضغوطاً متزايدة نتيجة جفاف التربة وارتفاع معدلات التبخر، ما ينعكس سلباً على قطاع الثروة الحيوانية ويدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع. وتحذّر ميريل لاوين، الباحثة في جامعة فاخنينغن الهولندية، من أن الأزمة "ليست مجرد أزمة مزارعين، بل تتسرب إلى الفئات الأكثر ضعفاً في أوروبا"، مشيرة إلى أن الخسائر الزراعية وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة ستضرب الأسر ذات الدخل المنخفض بقوة.

 

التداعيات الإنسانية: آلاف الضحايا

يبقى الجانب الإنساني للأزمة الأكثر إيلاماً. ورغم أن الحصيلة النهائية لضحايا صيف 2026 لم تُعلن بعد، فإن موجات الحر أصبحت واحدة من أكثر الكوارث المناخية فتكاً في أوروبا. وتشير تقديرات علمية ودراسات سابقة إلى أن موجات الحر الكبرى تتسبب عادة في آلاف الوفيات الإضافية، خصوصاً بين كبار السن ومرضى القلب والجهاز التنفسي.

 

ويستحضر كثير من الخبراء كارثة صيف 2003 التي أودت بحياة عشرات الآلاف في أنحاء أوروبا، باعتبارها نموذجاً لما قد يتكرر بصورة أكثر حدة مع تسارع التغير المناخي. وفي فرنسا، أعلنت وكالة الصحة العامة أن منطقة باريس كانت الأكثر تضرراً، مع تسجيل 1,999 وفاة غير متوقعة، بنسبة زيادة تقارب 80% مقارنة بالمعدل الطبيعي، فيما امتلأت مشرحات العاصمة واضطر بعضها إلى رفض استقبال المزيد من الجثث.

 

مستقبل مقلق: الجفاف العملاق يلوح في الأفق

تزداد المخاوف من أن تصبح مثل هذه الظواهر أكثر تكراراً خلال العقود المقبلة. وتشير دراسات مناخية إلى أن شبه الجزيرة الإيبيرية، التي تضم إسبانيا والبرتغال، مرشحة لمواجهة فترات جفاف أطول وأكثر شدة، مع احتمال تزايد ما يعرف بـ"الجفاف العملاق" إذا استمرت الانبعاثات العالمية عند مستوياتها المرتفعة.

 

وفي تحذير شديد اللهجة، قالت الدكتورة ماريام زكريا من مركز السياسة البيئية في إمبريال كوليدج لندن: "هذه الظروف تحدث بارتفاع 1.4 درجة مئوية فقط. إذا وصل الاحترار إلى 2.8 درجة، وهو السيناريو المتوقع، فإن احتمال هذه الظروف الجافة قد يتضاعف، وتصبح حالات الجفاف هذه اعتيادية سنوياً". وأكد سايمون ستيل، الأمين التنفيذي لأمم المتحدة لتغير المناخ، أن "تفاقم الجفاف في أوروبا هو إشارة حمراء لا يمكن تجاهلها"، داعياً إلى التحرك العاجل نحو الطاقة المتجددة والاستثمار في التكيف.

 

إنذار مبكر لمستقبل مناخي قاسٍ

تكشف أزمة صيف 2026 أن أوروبا لم تعد تواجه موجات حر عابرة، بل تحولاً مناخياً واسع النطاق يعيد تشكيل العلاقة بين الحرارة والجفاف والموارد الطبيعية. فمع استمرار الاحترار العالمي، تتحول موجات الحر من ظواهر استثنائية إلى واقع سنوي، ويصبح الجفاف الساخن هو القاعدة وليس الاستثناء.

 

وبينما تحاول الحكومات التكيف مع الواقع الجديد عبر خطط الطوارئ وإدارة المياه ومكافحة الحرائق، يحذر العلماء من أن السنوات المقبلة قد تشهد ظروفاً أكثر قسوة إذا استمرت الانبعاثات الحرارية بالوتيرة الحالية. إن ما نشهده اليوم في أوروبا ليس مجرد صيف حار، بل إنذار مبكر بمستقبل مناخي أكثر صعوبة، يتطلب تحركاً عاجلاً وحاسماً لمواجهة تحديات تغير المناخ التي لا تعرف حدوداً جغرافية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة