دندراوى الهوارى

3 يوليو.. مصر تحرر رقبتها من خناجر الإخوان وتكسر عقدة المونديال

الأحد، 05 يوليو 2026 12:00 م


ليست كل الأيام فى تاريخ الأوطان، سواء، فهناك أيام تمر مرور الكرام، هادئة، دون ضجيج، ولا تمثل سوى رقم فى التقويم، بينما هناك أيام تهبط بكل ثقلها على أكتاف التاريخ، فتغير مساره، وتحفر فى سجلاته أروع البطولات، ليتذكرها جيل بعد جيل، و3 يوليو 2013 من هذه الأيام، وموعد مع الأحداث العظيمة، يوم منقوش على جبين الزمن، يحكى للأجيال، كيف خرج المصريون عن بكرة أبيهم للميادين، انتظارا للبيان الذى يلقيه القائد، عبدالفتاح السيسى، معلنا تحرير رقبة الوطن من تحت خناجر أقذر فصيل عرفته الأمتان العربية والإسلامية، عبر التاريخ، جماعة الإخوان الإرهابية، ثم عاد اليوم نفسه بعد 13 عاما، ليمنح المصريين مشهدا آخر من مشاهد الأفراح والعزة والفخر، منتزعا نصرا فى قلب أمريكا، بصعود منتخب مصر لكرة القدم للدور الـ16 لأول مرة فى تاريخ المونديال.


فى 3 يوليو 2013 كانت مصر تقف أمام أخطر أسئلة وجودها المعاصر، ولم تكن هذه الأسئلة عن اسم رئيس يغادر، أو رئيس قادم، ولم تكن القضية تتعلق بالخلاف السياسى الحاد، وانسداد شرايين التواصل بين سلطة جماعة لا تعترف بالدولة الوطنية، وتعتبر مصر مجرد «ولاية» فى كيان وهمى «أستاذية العالم»، وإنما كانت الأسئلة عن مصير الدولة المصرية بكل مقدراتها، وكيف تقف فى قلب صراع على هويتها ومستقبلها، وتبحث عن إجابة شافية للسؤال الصعب: لمن تكون مصر؟ هل تظل وطنا يتسع لكل أبنائه وتُحترم مؤسساته؟ أم تتحول إلى ساحة نفوذ لتنظيم يرى الجماعة أكبر من الوطن، وأن الولاء للتنظيم أسبق وأكبر من الانتماء للدولة؟    


فى 3 يوليو 2013 مصر كانت فى الشارع، وملايين المصريين أعلنوها صراحة أن سنة من حكم الجماعة، أوصل البلاد إلى لحظة الانفجار المدمر، ومن ثم كانت الفرحة العارمة عندما انحازت القوات المسلحة كعادتها للشعب ومطالبه، وترجمتها فى بيان عبارة عن خريطة طريق، للبلاد، والإعلان عن الجمهورية الثالثة!


3 يوليو يوم عظيم فى تاريخ أمة، والتاريخ لا يكتب بالوقائع الباردة وحدها، فخلف كل قرار كبير، شعب يشعر ويقلق ويترقب، وفى تلك الليلة كان المصريون جميعا يرون أن وطنهم عاد، وتحرر من الخناجر التى كانت مُصلّتة فوق رقبته لإجباره على قبول مشروع سياسى وتنظيمى يضع الجماعة فى قلب الدولة، ويعيد تشكيل مؤسساتها وتغيير هويتها على مقاس مشروعه الوهمى «أستاذية العالم»، ولهذا لم يكن 3 يوليو فى وجدان المصريين ليس اليوم الذى سقط فيه حكم الإخوان الوقح، ولكن لحظة فارقة لدولة أكبر من الجماعات والتنظيمات وأوسع من أى مشروع يحاول اختصار وطن عمره آلاف السنين فى مكتب إرشاد وميلشيا مسلحة.


وبعد مرور 13 عاما، على تلك الليلة البهية المبهجة، التى خرج فيها المصريون ليملأوا الشوارع والحوارى والميادين فى كل نجع وكفر وقرية ومدينة ومحافظة، فى فرحة طاغية، عاد المشهد ليلة 3 يوليو، ليسجل فرحة طاغية فى قلب أمريكا، مشهد بطله 11 رجلا فى ملعب كرة القدم، وجهاز فنى وطنى، يرتدون تيشيرت مصر، بينما 120 مليون مصرى ينتابهم القلق والخوف، والرغبة القوية لتحطيم قيد آخر، وتسجيل تاريخ جديد، ناصع ومبهر ومبهج.


الأمر كان يحتاج تجاوز عقبة استراليا، وعبور بوابة دور الـ32 فى مونديال 2026 وتحقيق إنجاز تاريخى، إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن مصر كانت تحمل فوق أكتافها تاريخا كرويا ثقيلا منذ مشاركتها الأولى فى كأس العالم عام 1934 ثم غياب طويل، حتى عادت 1990 ثم مشاركتها فى 2018 وفى كل مرة كانت أبواب المونديال تغلق مبكرا أمام المنتخب المصرى.


المنتخب الوطنى لم يكن يلعب بأريحية أمام أستراليا، وإنما لعب وهو محمل بتاريخ طويل من الإخفاقات والفرص الضائعة والذكريات المؤلمة، بجانب حمل آمال 120 مليون مصرى، وملايين العرب، والأفارقة، لكتابة التاريخ، لكن ورغم كل ذلك، وللمصادفة الرائعة، أن المباراة تقام يوم « 3 يوليو» بما يحمله هذا التاريخ من ذكرى عظيمة فى عمر الوطن، وفى الدقيقة «13» من عمر الشوط الأول، يسجل إمام عاشور الهدف الأول لمصر، ليرفع منسوب الأمل فى تجاوز العقبة وكتابة التاريخ بالعبور للدور الـ16


نعم، فوز منتخب مصر على أستراليا، لم يكن فوزا بمباراة والصعود للدور الـ16 فحسب، وإنما كان فوز تمزيق الصفحة القديمة التى ظلت جاثمة على صدور المصريين طوال 92 سنة، فى إنجاز بمثابة الإعجاز، لذلك يصبح 3 يوليو تاريخا أكثر من كونه مصادفة فى التقويم لارتباطه فى الذاكرة المصرية بلحظة استرداد الدولة، وإنما عاد ليشهد لحظة استرداد الكرة المصرية لحقها فى الحلم، ويسجل مرة خروج مصر من قبضة مشروع حاول اختطاف هويتها وتدمير ثقافتها وحضارتها التنويرية، ومرة أخرى بأن يخرج المنتخب المصرى من قبضة تاريخ ظل يردد أن الصعود لدور الـ16 فى المونديال منطقة محرمة على الفراعنة، ممنوع دخولها.


وتبقى حقيقة راسخة، دشنتها الأحداث العظيمة يوم 3 يوليو، بأن مصر تستطيع أن تنجو حين يظن البعض أن الخنجر وصل إلى رقبتها، ونعم يستطيع المنتخب الوطنى لكرة القدم، أن ينتصر حين تصرخ سجلات التاريخ وتقول إن الطريق مغلق، ونعم يستطيع المصريون أن يحولوا يوما واحدا فى التقويم إلى ذاكرة كاملة ممتلئة بصور الصمود والانتصار.


وربما يعترض البعض، على هذا الربط بين السياسة ولعبة كرة القدم، لكن الأوطان لا تقسم ذاكرتها التاريخية إلى أدراج منفصلة، والشعب لا يعيش حياته فى ملفات مغلقة، فهناك لحظات تصبح جزءا من الوعى الجمعى، بغض النظر عن مكان وقوعها، سواء كان فى «ميدان» أو داخل «ملعب كرة قدم».


نعم، فى الثالث من يوليو 2013 استعاد المصريون، وطنا.
وفى الثالث من يوليو 2026 استعاد المصريون حلما. 
وبين الوطن والحلم ثلاثة عشر عاما فقط لكن المعنى واحد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة