تُقاس الدول بمدى قدرتها على إدارة الأزمات والتدخل السريع في مواجهة أي طارئ.
شهدت الساعات القليلة الماضية تطورًا سريعًا في هذا المضمار داخل مصر، التي تمثل بوابة المنطقة، بعمقها الحضاري وقدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي.
جاء افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الجديدة ليمثل محطة فارقة في مسار بناء الجمهورية الجديدة، وتجسيدًا لرؤية الدولة المصرية في تطوير منظومة متكاملة لإدارة الأزمات والطوارئ، ترتكز على التخطيط العلمي، والتنسيق المؤسسي، والاستعداد المسبق لمواجهة مختلف التحديات.
ويعكس هذا التوجه، بكل تفاصيله، إيمان مصر بأن حماية الأمن القومي لا تتحقق فقط عبر امتلاك القدرات العسكرية، وإنما من خلال بناء مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات بكفاءة، وضمان استمرارية عمل أجهزة الدولة، والحفاظ على مسيرة التنمية في جميع الظروف، وحماية المواطن أينما كان.
وخلال فعاليات افتتاح القيادة الاستراتيجية، قبل يومين، شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي استعراضًا لإمكانات أجهزة الدولة في مجابهة الأزمات والكوارث، في رسالة قوية وواضحة تؤكد أن الدولة المصرية نجحت في تأسيس منظومة مؤسسية حديثة لإدارة المخاطر والأزمات، قادرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بكفاءة وفاعلية، بما يعزز مكانة مصر دولةً تمتلك أدوات الاستجابة السريعة، والتدخل الفوري، واتخاذ القرار في التوقيت المناسب.
ولاستكمال البناء المؤسسي لهذه المنظومة، أصدر الرئيس السيسي عددًا من القرارات الجمهورية خلال الساعات القليلة الماضية، تضمنت تعيين الفريق محمد عبد الرحمن بسيوني سالم ربيع رئيسًا للهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، بعد ترقيته إلى رتبة الفريق، كما شملت تعيين اللواء هاني محمود سيد منصور نائبًا لرئيس الهيئة، واللواء سامح نبيل يوسف مساعدًا لرئيسها، بما يعكس حرص الدولة على الاستفادة من الخبرات العسكرية والأمنية في إدارة هذا الملف الحيوي.
وخلال الافتتاح، أعطى الرئيس أيضًا إشارة البدء لإطلاق عمل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، مشددًا على أن الاستعداد والجاهزية يمثلان الانعكاس الحقيقي لقدرة الدولة المصرية، وأن امتلاك منظومة متطورة لإدارة الأزمات أصبح ضرورة تفرضها طبيعة التحديات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وحرص الرئيس على التأكيد أن ما تشهده الدولة اليوم هو نتاج سنوات من العمل والتخطيط، وأن فكرة تنفيذ محاكاة شاملة للأزمات بدأت منذ عدة سنوات، وأن هذه التدريبات ستتكرر بصورة دورية كل ستة أشهر، بهدف تنشيط مراكز إدارة الأزمات في المحافظات، ورفع كفاءة مراكز جمع المعلومات، والتأكد من جاهزية المعدات والكوادر البشرية.
كما أكد الرئيس أهمية المتابعة اليومية داخل المحافظات، من خلال مراقبة المرافق الحيوية، مثل محطات المياه والكهرباء والصرف الصحي، بما يسمح باكتشاف المشكلات مبكرًا قبل تحولها إلى أزمات، موضحًا أن الإدارة الفعالة تعتمد على الوقاية والاستباق، وليس فقط على سرعة التدخل بعد وقوع الأزمة.
وهنا تظهر أهمية التكامل بين المحافظات ومجلس الوزراء عبر المركز الرئيسي لإدارة الأزمات، مع ضرورة استمرار المتابعة صباحًا ومساءً لضمان استقرار الأوضاع في جميع أنحاء الجمهورية، إلى جانب الالتزام بالإطار القانوني في إدارة الأزمات، بما يحفظ حقوق المواطنين ويضمن سلامة الإجراءات.
وفي حديثه المهم، ضرب الرئيس مثالًا بتجربة الدولة في مواجهة السيول، حين انتقلت مصر من معالجة آثار الكوارث إلى معالجة أسبابها من الأساس، من خلال تنفيذ خطة قومية متكاملة للحماية من السيول على مدار السنوات الماضية، وهو ما يعكس التحول نحو التخطيط الوقائي طويل المدى، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع تداعيات الأزمات بعد وقوعها.
وأوضح الرئيس أن تطوير منظومة إدارة الأزمات عملية مستمرة تعتمد على تقييم الأداء واستخلاص الدروس من كل تجربة، وأن التدريبات المقبلة ستشهد تنفيذ سيناريوهات عملية على أرض الواقع، مع إطلاع المواطنين عليها، بما يسهم في رفع الوعي المجتمعي وتعزيز ثقافة الاستعداد للطوارئ في أي وقت ومكان.
ولم تغفل رؤية الدولة أهمية بناء الوعي المجتمعي، إذ دعا الرئيس إلى تدريب طلاب المدارس والجامعات، والعاملين في المصانع والمؤسسات المختلفة، على خطط الإخلاء والتعامل مع الأزمات، مع استمرار التدريب الفني للعاملين على المعدات المختلفة، وقياس مستوى الجاهزية بصورة دورية، فضلًا عن إشراك مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في التدريبات المستقبلية، بما يعزز مفهوم الشراكة الوطنية في مواجهة الأزمات.
وتعكس الرسائل المهمة التي وجهها الرئيس السيسي خلال افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة رؤية شاملة لبناء دولة حديثة لا تقتصر على تنفيذ المشروعات القومية وتحقيق التنمية الاقتصادية، بل تمتد إلى تأسيس منظومة متكاملة لإدارة الأزمات والكوارث ومواجهة التحديات، تقوم على الجاهزية الشاملة، من خلال التخطيط العلمي، والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ورفع كفاءة الاستعداد والاستجابة، بما يضمن حماية المواطنين والحفاظ على مقدرات الدولة.
وتمثل القيادة الاستراتيجية للدولة نقلة نوعية في تطوير آليات إدارة الأزمات، من خلال إيجاد مركز متخصص ينسق بين مختلف أجهزة الدولة والمحافظات، ويوفر سرعة تبادل المعلومات واتخاذ القرار، وحسن إدارة الموارد والإمكانات، بما يقلل من آثار الأزمات ويحافظ على استقرار الدولة.
ويعكس وجود القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة رؤية مصر لبناء دولة تمتلك القدرة على استشراف المستقبل، وإدارة المخاطر بكفاءة، وتحويل التخطيط العلمي إلى ممارسة مؤسسية مستدامة.
Sherifaref2020@gmail.com